تكمن القوة الحقيقية أحياناً في إدراك الدولة لكيفية حماية مصالحها، وتوقيت الرد، وفتح باب الحوار، ومتى تجعل القانون الدولي سنداً لموقفها. وفي التصعيد الإيراني العدواني الذي يشهده مضيق هرمز، الإمارات متمسكة بهذه المعادلة الدقيقة.
استهداف ناقلات شركة «أدنوك» الإماراتية ليس حادثاً يمكن التعامل معه باعتباره تفصيلاً عابراً في مشهد إقليمي مضطرب. فحين تطال الاعتداءات سفناً تجارية تعبر واحداً من أهم الممرات البحرية في العالم، فإن الخطر لا يتوقف عند حدود الدولة التي تحمل السفينة علَمها، بل يمتد إلى أمن الطاقة والتجارة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.
لهذا جاءت رسالة بيان وزارة الخارجية ومعالي الدكتور أنور بن محمد قرقاش، المستشار الدبلوماسي لصاحب السمو رئيس الدولة، واضحة وحاسمة: الإمارات لن تتخلى عن سياستها المتزنة والعاقلة، وستتحرك وفق ثلاثية الردع والدبلوماسية والالتزام بالقانون الدولي.
وهنا تكمن أهمية الموقف الإماراتي. فالردع ليس دعوة إلى التصعيد، والدبلوماسية ليست علامة تردد، والتمسك بالقانون الدولي ليس خياراً انتقائياً. إنها أدوات متكاملة لدولة تدرك أن حماية السيادة والمصالح الوطنية يمكن أن تسير جنباً إلى جنب مع العمل من أجل خفض التوتر ومنع اتساع دائرة المواجهة.
الإمارات لا تنظر إلى أمن الملاحة في هرمز باعتباره شأناً إماراتياً منفرداً. فالمواقف الخليجية والعربية التي أدانت استهداف الناقلتين عكست إدراكاً مشتركاً بأن العبث بأمن الممرات البحرية يهدد الجميع. كما أن موقف جامعة الدول العربية، الرافض للانتهاكات والداعي إلى احترام القانون الدولي وقانون البحار، يؤكد أن القضية تتجاوز الحسابات الثنائية إلى مسؤولية إقليمية ودولية أوسع.
مضيق هرمز ليس ورقة سياسية، ولا ينبغي أن يتحول إلى أداة للضغط الاقتصادي. إنه شريان حيوي تمر عبره مصالح العالم، وأمنه مسؤولية تتطلب أعلى درجات الحكمة.
وفي هذا المشهد، تبدو الدعوة الإماراتية إلى تعزيز الموقف الخليجي الموحّد أكثر منطقية من أي وقت مضى. فالمواقف المتماسكة تقلّل فرص الابتزاز، والحوار الجاد يفتح أبواب الحل، والردع المسؤول يمنع اختبار حدود الصبر.
الإمارات لا تبحث عن مواجهة، لكنها أيضاً لا تقبل أن تتحول الاعتداءات إلى أمر واقع، فالهدوء الإماراتي ليس غياباً للقوة، والدبلوماسية ليست تراجعاً، والصبر ليس تنازلاً عن الحقوق. وفي هرمز تحديداً، قد يكون أكبر انتصار هو أن تُحمى الملاحة من دون أن تُفتح أبواب حرب جديدة.
حماية الملاحة مسؤولية جماعية، واستقرار الخليج مصلحة دولية، وأي تصعيد جديد لن يربح منه أحد. أما الحكمة، فتظل الطريق الأقصر لحماية الحقوق وصون المستقبل. حفظ الله الإمارات وأدام عزّها في ظل بوخالد.


