حظيتُ بدعوة كريمة من الشيخة شما بنت سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان لحضور «يلسة» دارت محاورها حول بناء الوطن. وقد جمع المجلس وجوهاً تحمل ذكريات وجذوراً ضاربة في أعماق الماضي، إلى جانب أجيال تلتها لتروي قصة التحول والتطور والبناء.
تميّز المجلس بحضور لافت ومميز، انعكس في الأزياء التقليدية والرسمية التي تألقت بها الفتيات والنساء. وكانت الجلسة بعيدة عن الرسميات، يسودها الود والرقي، فتبادل الجميع ما يدور في خواطرهم من رؤى وتصورات.
كان ذلك المجلس، في شعوري، أشبه بغابات البحار التي تزهر بأشجار القرم؛ فهي تبعث الطمأنينة في نفوس المسافرين عبر البر حين يلوح لهم ذلك اللون الأخضر، فالقرم ليس سراباً، بل معبر وملاذ وعلامة على الاقتراب من الأهل والإنسانية والأحبة.
وفي ذلك المجلس استشعرت رمزية أشجار القرم، وما تحمله من عطاء وتضحية. ففيها من الجمال ما نفتقده أحياناً في بعض البشر. دعوني أضرب لكم مثالاً: تمد أشجار القرم جذورها الهوائية في الفضاء المفتوح، كأنها تمتد نحو الحياة بحثاً عن الغذاء، بينما تختزن أوراقها ثروة من العناصر التي تمنحها القدرة على العطاء والصمود. وهي بذلك أشبه بالمرأة الإماراتية في رسالتها التي تنشر السلام والكرم والمحبة.
وأشجار القرم لا تحمل أشواكاً، لكنها تتكيف بذكاء مع بيئتها؛ فتحرّك أوراقها وتعيد توجيهها بطرق تساعدها على تقليل تعرضها المباشر لأشعة الشمس، والحفاظ على رطوبتها، والحد من فقدان المياه. إنها ليست مجرد نباتات تعيش عند حافة الماء، بل نظام بيئي متكامل يسهم في تنقية البيئة البحرية، ويوفر موائل للكائنات الحية، ويخلق فضاءات تنمو فيها الطحالب وتتكاثر فيها أشكال الحياة المتنوعة.
وللعارفين أقول: دعونا نقرأ بين السطور. نحن بنات بيئتنا، نتقاسم حتى مع أشجارها خصائص تميزنا عن سوانا. ولا ننسى أن هناك عسلاً يتغذى النحل في إنتاجه على رحيق أزهارها، وأن الإبل بدورها ترعى في غابات القرم، فتنتج لبناً له مذاق الحياة. دعونا ننظر حولنا؛ فكل شيء في عالم الإمارات جميل، وكل شيء يعطي من دون انتظار مقابل. وذلك هو أيضاً ما تقدمه المرأة الإماراتية: عطاءٌ نابع من بيئة كريمة، وتجربة مميزة صنعتها أرض معطاء، فكانت ابنة حقيقية لوطنها وبيئتها، تحمل منهما الجمال والصبر والكرم والقدرة على الحياة والعطاء.


