- من أظرف المصطلحات التي سمعتها مرة في القاهرة: «عامل قلق»، والقلق هنا ليس بمعناه الحقيقي، إنما بمعنى إيجابي، أي حاجة جميلة أو كما نقول في الإمارات «مسوي ربشة أو طرّ»، فإذا ما دخلت عند بائع في محل تريد أن تشتري بنطلون «جينز» قطني، تفاجأ بالبائع يقول لك: «شايف يا آفندم.. حتة القلق دي، هي الموضة النهار دا»، و«حتة القلق» تعني أن البنطلون مقطع أو مغسول بحجر أو به أزرار في غير مكانها أو دون فائدة، وإما محفور عند الركبتين، أو كأنه كان يرتديه صبّاغ، ولا تخرج من نهار التسوق ذاك إلا وتتعثر بمسألة «عاملة قلق» في أكثر من محل، وفي أكثر من مناسبة، ولو كان خيطاً بلون برتقالي لحذاء أسود.. المهم أنه «عامل قلق»!
- هناك شعوب هامسة، وحركات اليد لا تعني إلا الاحترام والتقديس، وهناك شعوب صاخبة، تعشق الصوت العالي والضجيج، والتلويح باليد توعداً واستصغاراً وسباباً، هذه الظاهرة الصوتية الهامسة والصاخبة تجدها في مدن كثيرة في جهات العالم، تبدأ من التحدث في الهاتف، وتنتهي إلى ما يجري في الشارع، عند الشعوب الأولى تعجز أذنك عن التقاط الحروف، وتتعب أطرافك وجوارحك من الاحترام والتبجيل، وعند الشعوب الأخرى تصاب أذناك بالتلوث اللفظي والبيئي، وتقول إن الدم سيسيل إلى الركب في الشارع بين المتخاصمين على شيء بسيط، كأن يكون أحد المتخاصمين قد جحر الآخر بنظره، ففسرها الآخر بأنها نظرة تستوطئ حائطه الاجتماعي، ويحدث المشكل، وتظهر المغالاة في الشتائم، كل ذلك أمام حشد شوارعي يحب الفرجة، ويحب المشاركة، ولا يسعى لإصلاح ذات البين، المشكلة بعد تلك الحرب الكلامية الشعواء يتفرق الجميع مكتفين بخيوط السباب المتلاحقة التي يجرّونها خلفهم!
- أمنيات متكسرة تتقاسمها مدينتان واحدة في الشرق وأخرى في الغرب، ككأسات تنتصف، لك نصفها، ونصفها للغالية التي تسكن بعيداً.. تلك المزدانة عافية، والتي تحلم دائماً وأبداً بظل طفولي يتبعها، كانت تتمنى أن تصنع له عشاً في قفص صدرها، وعشاً آخر في معطف الجدة الدافئ التي ما تزال تعمل في زوايا المدينة الكبيرة، داعية أن يكون هذا الظل الطفولي لعبتها في عمر التقاعد القسري، ومتعتها في ذرع تلك الحدائق العامة الساكنة بالخضرة ومتعة الممشى وبالذكريات أيام الآحاد، كأس تنتصف للصغيرة العجلى الآتية من غمام الحلم، بوجهها الذي قد يشبه الأب والنسل العربي الغارق في التاريخ والمتحول مع المكان، يهتدي في متاهات الرمل بعصاه تلك التي في يمينه، يهش بها عن غنمه، وله فيها مآرب أخرى أو تجره الجغرافيا نحو ذلك الملمح الأمازيغي الفنيقي الغائر في تربة التاريخ المتدثر ببرنسه، المغامر باتجاه الملح والثلج والصقيع.. فقط كانت أمنية لتلك المزدانة عافية وجمالاً صوفياً أن ترى ذلك الظل الطفولي يدلف بيتها الصغير في المدينة الكبيرة دون أن تتكسر الأمنية عند عتبة الباب! وغداً نكمل


