يطوي صفحاته بود ونجاح، والكتاب باقٍ في شعاب الأسئلة التي تطرحها رواية اقتنيناها، أو ديوان شعر أهدي إلينا، أو كتاب في التاريخ التقينا به ونحن نبحث عن ضالة العقل، وهذه سيرة معارض الكتاب، إنها تحمل بشارة الحب في كل عام، ولا تنتهي رسائلها؛ لأنها ملتصقة في الوجدان برائحة الكلمات، وبلل العبارة، وأحلام جاءت بها رواية من حيث كتبها كائن بشري نبيل، وتستمر العلاقة مع الكتاب، مثل العلاقة بين الموجة والساحل، مثل العلاقة بين الحلم الجميل والرموش الكحيلة، مثل العلاقة بين الشجرة، والطير، وثمرة زاهية تسكن بينهما. 
خلال الأيام الستة، كان دخول باحة معرض أبوظبي للكتاب، كمن يلج المحيط، ويسعى جاهداً لاصطياد أمنية بيضاء من غير سوء، تمضي حقباً على ظهر موجة، تعلقت بالحنين إلى المراكب، كما تتعلق العيون التي في طرفها حور، ببريق الجمال، ولما تلتقي بصديق قديم، ويشهر لك ابتسامته، وفي يده يتعلق الكيس البلاستيكي، يفيض بكتاب أو أكثر، تشم أنت رائحة الحبر، كما تشم الفراشات رائحة الوردة، وتشعر بنشوة اللقاء مع صديق، له والكتاب علاقة التاريخ بالزمن، وعلاقة الزمن بالثقافة، وعلاقة الثقافة بالروح البشرية، التي تنظف نفسها من الغبار، بقراءة، شجية لكتاب يشبه ماء النهر. ولما تقف عند ناصية قريبة من منصة، يشدو خلف وشاحها الزجاجي طائر، جاء من فضاءات سماوية، ليحل عند شجرة الخلد، الإمارات البهية، ويغرد، ثم يغرد، ومعه تشدو حمامة مرت على الخاطر، مثل نسمة، وابتسامة الصباح ترفع نشيد الجمال البشري عالياً، وها أنت تتوقف، وتسير الهوينا، يطربك الحلم الجميل، في عيون كأنها النجوم، تألقت، وتدفقت بريقاً وجودياً، يبعث على الفرح، كون معرض الكتاب في أبوظبي لا يشبه إلا نفسه، لأنه يحتفل بالكتاب ليس لأنه كتاب، بل لأن في صفحاته صفحة للأمل البشري رغم ما يحيق بالعالم، ما يشبه اللغط، وشطط المشاعر المتهورة. 
اليوم، وأنا أكتب هذا المقال، شعرت بما يشبه السفر إلى مناطق بعيدة، فلن أشهد وجوهاً قابلتها إلا بعد عام، وتلك معضلة الوجود، وعقدة الحياة، إنها تملي عليك وجوهاً، ثم تخطفك، أو تخطفها، ولا تبقى سوى الذاكرة، مفتوحة كما هو الكتاب، تبقى أنت، تتابع المشهد عبر صور نثرتها الذاكرة في طريقك، إلى الاسترخاء، أو العكوف على كتابة جديدة لنص أو مقال، تبقى أنت رهين هذه الذاكرة، التي لا تخفف من الوطء كي ترتاح، وتهدأ روايتك عن الضجيج في فناء العقل. تستريح.. تستريح من تنهدات بعضك، وانكسار بعضك، ويقظة كلك، على صور كأنها النجوم في ليلة ظلماء، دامسة المحيا.