من دون توقع من أي روائية تستعير أقنعة القضايا الإنسانية الجادة، ودون توقع من أي روائي جاد، تفاجئنا إيزابيل الليندي، الروائية الأكثر إبداعاً وإيغالاً في تفاصيل الحياة وموضوعاتها المشتبكة، مؤلفة روايات: «بيت الأرواح»، و«الحب والظلال»، و«إيفالونا»، و«باولا»، و«ابنة الحظ»، بخروجها من برج المثقفين العاجي؛ لأنها لا تحب الأبراج، فالناظر منها لا يرى سوى رؤوس الأشياء لا جذورها. ولا تحب العاج لأنه حرفة قاتلي الفيلة، ولأن رواياتها تُنسج من خيوط الواقع، وشخوصها هم أولئك الساكنون في الزوايا، الذين ينبضون بالحب والأمل والصبر والكفاح؛ لكل هذا تذهب إيزابيل إلى التاريخ لتنبش في جذور الرغبات الإنسانية.
وتذهب إلى الواقع المحسوس لترصد ديمومة الصراعات وتجسداتها؛ لتجد أن أكثر الرغبات التي شغلت البشرية وتسببت في الفرح والحلم والإبداع، والرغبات الأكثر بساطة وطبيعية هما: فن الحب وفن الطعام. هذان الفنان اللذان كانا محط تفكير الإنسان وإبداعاته، وبحثه الدائم عن الجديد فيهما، تناولتهما الكاتبة بقدرة البحث الموسوعي والثقة بالنفس.
وإيزابيل الليندي حين تتحدث عن «الأفروديتية» رمز الحب والطعام، فإنها تذهب إلى أعماق التاريخ لتقدم تحليلاً معرفياً موسوعياً مستنداً إلى ثقافات إنسانية شاملة عبر عصور متباينة؛ لبحث الإنسان ومفاهيمه حول هاتين الرغبتين في الثقافة المصرية القديمة، والمسيحية، والعربية الإسلامية، والهندية، واليابانية، واليونانية، والرومانية، وصولاً إلى عصرنا الراهن.
وكتاب «أفروديت: حكايات ووصفات» ليس من صنع الكاتبة وحدها، بل هو مشروع جماعي؛ كما تقول الكاتبة: «ساهم في هذا المشروع روبرت شكتر برسومه التوضيحية، وبانتشيتا ليونا (والدتها) بمهارتها المطبخية، وكارمن بالثز وكيلة أعمالي في مسيرتي الأدبية. وشارك فيه قرابة خمسين مؤلفاً رجعتُ إلى نصوصهم، كما ساهم فيه الكثير من أصدقائي الذين سارعوا -إرضاءً لي- إلى تجريب الوصفات».
وتستطرد في التعريف بالكتاب بنزعة شاعرية خالصة: «خطر لروبرت شكتر أن يرفق الكتاب بقرص موسيقي أفروديتي، ويقسم الكتاب إلى أربعة فصول»، وحاولت والدتها أن تبدع صحونها وفق منتجات كل فصل من فصول السنة.. «ولأن روبرت علميٌّ لم يسمح لي بالحيل الروائية، فكان عليَّ أن أُرِيَه جبل الكتب المستخدمة في البحث.. لجأنا إلى متطوعين من كلا الجنسين، وبعد دعوتهم للعشاء قمنا بتسجيل النتائج. وما إن وضعنا المخطط حتى انطلق كل واحد منا إلى مهمته، فبقلم روبرت، وأطعمة مطبخ بانتشيتا، والمعلومات من المكتبة التي بحثتُ فيها، تغير مزاجنا جميعاً؛ فروبرت خفّت آلام عظامه وفكر بشراء زورق شراعي، وزوجي وزوج بانتشيتا راحا يقفزان. وعندما قاربنا النهاية قمنا بالمراجعات الأخيرة».