- زمان.. كان للدور روائح تميزها، وكانت ترسل روائح ما يطبخون حتى يلتصق دخان الحطب والطرافة في حظر العرش أو تختزنه جدران الطين، كانت الرائحة تسافر في الطرقات قبل أن تصل صواني الجيران للجيران، ليتطاعموا من أكلهم ذاك اليوم.
- زمان.. حينما كنت تدلف إلى البيت كانت ثمة رائحة يستقبلها أنفك قبل أن تدخل بالبسملة وبرجلك اليمين، يوم الجمعة روائح الدخون والعود، مساء الخميس روائح احتراق اللبان والبخور، وفي صباحات الأيام كانت رائحة القهوة المعمولة للتو بالهيل والزعفران.
- زمان.. في عصر أيام رمضان كانت الروائح تسكنها الطمأنينة والخير والبركة وفرح الصغار، كانت هناك رائحة مختلفة لخبز البُر، رائحة مميزة لتلك القدور التي تظل تثور على الجمر، للخبيصة رائحة طيبة، للقرص المدقوق رائحة مختلفة، وكانت هناك رائحة معطرة للجدات، وهن يرسلن وصاياهن من بعيد لتلك المطابخ: «زيدن شوية ملح، لا تكثرن من البزار، لا تنسين جوزة الطيب، وحبتين لومي يابس بس»!
- زمان.. لصباحات الصيف في الدو رائحة، هي مزيج من روائح شتى، ليمون، فوعة سمنّ، همبا، مخرافة الرطب، مقفلة الجامي ودلال قهوة إرسلان.
- زمان.. لصباحات الشتاء في الدور رائحة، رائحة الدفء في بيوت الطين واحتراق الحطب، رائحة المطر والريح الباردة القادمة من جهة النخل، روائح الزعتر والزنجبيل، وثرى الأرض.
- زمان.. كانت لغرفة الأم رائحة، لمندوس الجدة رائحة، لذلك الفطور الجماعي للأب وجيرانه رائحة، لفوالة الضُحى للأم وجاراتها رائحة، حتى لدروازة البيت الخشبية المطعمة بتلك المسامير البارزة والتي تفتح مصراعيها من الصباح حتى مقدم الليل رائحة.
- لِمَ غابت تلك الروائح؟ لِمَ هجرت الأمكنة، وغادرت مع الأهل المغادرين؟ لِمَ لم تعد للدور روائحها الأولى، تلك التي تذكرنا بالأهل الأولين الطيبين؟.