هل تصدقون أن ثمن عمود اليوم وغداً خمسة الآف يورو، لكن قبل ما يقول بعضكم: أهب.. خيبة! أو البعض الطيب منكم: حلال عليك.. تستاهل! أسبقهم وأقول: أنه كلفني خمسة الآف يورو، لأن الإنسان دائماً ما يتعلم من كيسه، وهو مثل عامي، لكنه من أصل عربي قديم من أيام الجاهلية، ووثق أيام الدولة الأموية أو «من مأمنه يؤتى الحذر»، كما تقول العرب في أمثالها.
لكنني استاهل، يعني معقول بعد كل هذه الأسفار الدائمة، والمعرفة المتعددة، والتجارب المختلفة، أقع بهذه السهولة، والوقعة بسبب البساطة، بحيث أشعرتني أن مثل هذه الغرامة «غميضة»، خاصة حينما تصحو من النوم صباحاً، ويصَبّح عليك أبليس، ويذكرّك بها، فتستعير من أقوال الأولين ما يعضد فكرة نعمة نسيان بعض الأشياء، وكأنها لم تحدث، كقولهم:«الخسارة.. خسارة الروح»! أو «دفّاعة بلاء»! فتركن أن ما صار، يجب أن تشارك فيه القراء، لتعميم الفائدة، ولأن أكثرهم مثلك، يمشون بالبركة، وعلى البركة، وهذا ما يخسرنا أحياناً أموراً كثيرة، كمثل الذي «سار يدوّر الفائدة، لقى الخسائر زائدة»!
سيقول البعض: ما لك تتحدث اليوم مثل العجائز؟ وأقول: صحيح، لأننا في مراحل من أعمارنا، ننهج نهجهن، ونسير على دربهن، فأنا كثيراً ما «أتحيد» بفلوس هنا.. وهنا، والأسباب التي أسوقها للنفس، خوف أن أنقطع، وخشية ثقل السؤال، ويمكن أن تنفع وقت العوز، أو يمكن أن «يدغروا عليك خطّار» فجأة، تماماً مثلما «تحيدون العيايز»، وتتذكرون أسبابهن، ومسبباتهن، فهن اللآي علّمننا معنى أن تلقى كل شيء تحت يدك، حينما تحتاج، ولا مِنّة الناس، على رأيهن، ورأي مثلنا العامي «بفلوسك ما أحد يدوسك»، لذا «يتذخرّن» بفليسات هنا، و«غويزيات هناك»، وتجدهن يَصِرّن في طرف شيلتهن أو وقايتهن شيئاً قد يحتاجه حفيدها أو تسكّت بها بنت بنتها.
المهم، ولأنني من يطرأ عليّ السفر تجدني أفزّ، وينشرح صدري كمن «يصعط سمناً وعسلاً على الريق»، ألقط أغراضي في آخر لحظة، وأتناول أي حقيبة من الجاهزات، والرابضات للأسفار المفاجئة، وفي أسراب تلك الحقائب أغرز هنا كم من ألف من العملة الصعبة، وهنا خردة من فلوس باقية من السفرة الماضية، وجيب سرّي أضع فيه خلاصة تجارب الأسفار«آه.. ها تحتاج برع شيئاً، ترا لا أبن عم يثيبك، ولا صديق يدّق لك صدره»، فأدخر مبلغاً يجعلني أقاوم على الأقل ثلاثة أيام بلياليها، قبل أن أنتقل لفندق متواضع، وأحاول الوصول للدار بـ«لنش خشب».
المهم وصلت مرة إحدى المطارات الأوروبية، وكدت أخرج منه، حتى أعترض لي واحد من الجمرك، وسألني هل تحمل نقداً، فقلت نعم، قال كم؟ قلت: لا أدري، ولم يصدقني، وكنت صادقاً، فقال:لأن ما يزيد على عشرة الآف يورو عليك أن تصرّح به في دخولك أو خروجك، ففتحت له الشنطة أو «مندوس العيايز» بطيبة خاطر، وظل يحسب، ويحسب محولاً النقد الأجنبي إلى عملتهم اليورو، يحسب ويعزل، ولما كبر المبلغ، ظهرت عليه بوادر المرابي الصامت، لأنه أصطاد مهرباً فجأة.. وغداً نكمل.


