كثيرون هم أولئك السجانون لذواتهم أو سجناؤها، بحيث يحتار الإنسان هل ظلموا أنفسهم بأنفسهم أم الظروف أجبرتهم على أن يقبعوا خلف قضبان سجن وهمي، هو باختصار حرب الإنسان مع ذاته، ولعلنا نستفتح بأهم قصيدة في الأدب العربي والتي سميت بـ «يتيمة الدهر» أو «اليتيمة» أو «القاتلة»! حتى أنها غيبت قائلها، وبقيت هي صامدة، سُمِّيت باليتيمة لأن قائلها لم يكتب غيرها، وقيل: لأنها متفردة لا شبيه لها لجزالة معانيها وبلاغة مقاصدها، نسبت لأكثر من شاعر معروف ومجهول، لكن النقاد يجمعون على أن القصيدة اليتيمة هي من قصائد العرب الشهيرة، وتنسب إلى الشاعر «دَوْقَلة المَنْبِجي»، وقيل: إنها لـ «ذي الرمة»، وهناك أربعون شاعراً حلفوا أنها لهم، لكن دوقلة الأقرب، والذي قتل بسببها، وقتل قاتله ومدعي القصيدة حين ذكر بيتاً فيها يدل على كذبه وجهله بالقصيدة:
إِن تُتهِمي فَتهامَةٌ وَطني
أَو تُنجِدي يكنِ الهَوى نَجدُ
ويقال: إن دوقلة حين عرف بنيّة الأعرابي قتله وانتحال قصيدته ليفوز بالأميرة النجدية الجميلة «دعد» التي اشترطت مهرها قصيدة تصفها وتصف جمالها، أضاف ذلك البيت اللغز الذي لا يخطئه الفهيم اللبيب، وحين انتهى الأعرابي من قول القصيدة قالت الأميرة: اقتلوا قاتل زوجي! والقصيدة طويلة وجميلة للغاية، وفيها تصاوير حسيّة، ومطلعها:
هَل بِالطُّلولِ لِسائِل رَدُّ
أَم هَل لها بِتَكَلُّمٍ عَهدُ
وَيَزينُ فَودَيها إِذا حَسَرَت
ضافي الغَدائِرِ فاحِمٌ جَعدُ
فَالوَجهُ مثل الصُبحِ مبيضٌ
والشعُر مِثل اللَيلِ مُسوَدُّ
ضِدّانِ لِما اسْتُجْمِعا حَسُنا
وَالضِدُّ يُظهِرُ حُسنَهُ الضِدُّ
ولدينا في الأدب المحلي، ظاهرة ابنة شاعر فحل «الماجدي بن ظاهر»، تسمى سلمى بنت ابن ظاهر أو المايدية، نبغت موهبتها، وقالت قصيدة يتيمة حُبس لسانها بعدها وظلت القصيدة تذكرنا بها، ويقال: من جزالة القصيدة منعها أبوها الشاعر من قول الشعر بعدها، ومن قصيدتها اليتيمة المشهورة:
تقول فتاة الحي بنـت بـن ظاهـر
والأمثال ما كـل الفهامـا هذوبهـا
إلى شفت الشعراء خوص مضاعـف
تنقيت من خوص الخوافـي قلوبهـا
ناس ن تجادا والجدا مـن عيونهـا
وناس ن تجادا والجدا مـن قلوبهـا
ولي مايـداري فـي الخطا ماشياتـه
شكى العوق من الأجدام والاكعوبهـا
ولي ما يداري وآغف العين صابهـا
غدا بايداويها سعـى فـي طبوبهـا
وناس تغاضى لو غـدا كـل مالهـا
وناس تقاصا في عنا مـا يروبهـا
والي قبض عود الشكل قمصان عاقل
خذهـا برفـق لا تسـاري هدوبهـا
والي قبض عود الشكل قمصان جاهل
خذها بـزور وارث الشنـع ثوبهـا
هناك الكثير من القصص في الآداب والفنون والثقافات العالمية، وهناك الكثير ممن ظهروا كنجمة ثم غابت أو سجنوا أنفسهم في قفص الذات أو رضوا أن يكونوا سجّانين يحرسون ذواتهم وأمكنتهم التي لم يعرفوا غيرها!


