خصوصية المكان، كما هي خصوصية الذات، كما هي خصوصية الوردة في احتضان عطرها كي يصبح الزمان تاريخاً معطّراً بمنجزات أهله، معطراً بتطلعات الذين يعشقون الجمال كما ينتمون إلى المكان، هذه هي سيرة التواصل في حلقات التاريخ، هذا هو سبر الأشياء في علاقتها بمشاعر الناس الأوفياء، والذين يضعون ما صنعه الأوّلون بين الرمش، ويمسكون بالتراث كما أنه النخلة التي عقدت ضفائرها في عناقيد تسهب في الروعة، والرونق هو ذلك الرحيق الذي انساب شهداً يعبق عروق الشجرة الخالدة.
 واليوم في منطقة العين تبدو الحياة في نشأتها وتطورها ورقيّها ونشوئها وأحلامها الزاهية، أنها في مطلع الهلال تلامس النجوم، وتمضي نحو غايات الذين لا تتوقف قوافلهم عن معانقة الرمال الذهبية، والمشي على صفحات القمر عشقاً إماراتياً لا يشبهه إلا هو، وهو في الزمان قصيدة تركها في ضمير الأبناء إرثاً منمّقاً بديدن ودندنة، وديوان يجمع خصال القصيدة من إنسان خير الناس، وأنبل من كتب القصيدة من سعفة النخل، ومن أنفاس نوق حرّضت المشاعر، كما تروغ النسائم في العين.
 فراشات لوّنت السماء برهافة وشفافية، وسارت تتبع الوردة بشغف العشاق المدنفين السائرين على دروب النجمة، يرمون الحياة، مستندين إلى تراث كأنه الجوهر الصافي، يلامس أعناقاً، ويتسرب في المهج لغة إماراتية فريدة، عتيدة، مجيدة، سديدة، مديدة، والمداد مداد القصيدة، والمد بحر طويل أو رمل لا يهم، المهم أنها العين اليوم تزدهر بتراثها وأناسها.
 من يمسك بزمام نهوضها، العين هذه، وهذه خصوصيتها، تستمر في المضي عشقاً للحياة وعشقاً للنخلة التي رفعت أشرعة الحياة، خضراء يانعة من غير سوء، والسواعد السمر كانت لها أغصان، والوجوه شواهد على ما نزّ من عرق في الجباه الشامخات، الباسقات، فجراً لعين صحت وما غفت، تحرس الإرث الجميل، والتاريخ قلم ينسج خيوط الحبر وهجاً وبهجة ونهجاً إماراتياً، لا سمته البياض في السريرة، وسبره الحلم محمولاً على أكتاف عزائم رجال لا يكفون عن السير قُدماً، ولا يكتفون بالمسافات القصيرة، لأن الطموح أوسع من المحيط، ولأن التطلع كأنه السماء تضيئه نجوم، نسقها من مقل تشيع العالم بنظرات كأنها عيون الطير في تألقه وهو يرفع النشيد كي تستمر الحياة ريانة بالهوى. للعين خصوصيتها، منطقة تسكنها النخلة، وتخيط معطفها من حرير المشاعر، تسبك خاتمها من لؤلؤة في ضمير الأرض، سقاها إنسان، فتح عينيه في صباح ما، ورأى كيف تحلّق الشمس في السماء، وكيف تصوغ ذهبها من ريعان عزيمتها التي لا تلين، وحلمها الذي لا يطفئ مصابيحه، وسردها المتألق ثباتاً وثقة بما توحيه ذاكرة المكان من إرث له في العالمين صيت وصوت، له في الدّنى معنى ومعطى، أدهش الطير عندما لامس جناحه، طين القلاع الشاهقة، وعندما صافح بريق عينيه، ضوء النهار على جبل حفيت، فانبرى المكان مثل قديس، تجلّى في عرفانه، العاشق الأول في التاريخ للحياة، وما الحياة إلا حبل مشدود، بين تطلُّع يتلوه تطلُّع، والبنيان يشد بعضه بعضاً، عندما تكون العلاقة بين الأنا والآخر مثل عذوق تهمس لبعضها، خبر في ضمير الإنسان بأنه المحب الواله لأغنية على قمم شمّ، تشدو بها حمامة برية، وتستمر في النشيد، لأن الحياة ليست إلا أغنية، نحن الذين نؤلف لحنها، ونمنحها هوية الأصالة.