قد لا نتذكر جدول الحصص، ولا درجات الاختبارات، وربما لا نتذكر حتى معظم الدروس التي حفظناها. لكننا نتذكر معلّماً أحببناه، وآخر وثق بنا، وثالثاً قال لنا في لحظة احتجنا فيها إلى كلمة: «أنت تستطيع».
لهذا، فإن يوم المعلّم ليس يوماً للاحتفاء بمهنة فقط، بل مناسبة للاحتفاء بأثر إنساني يمتد أبعد من جدران المدرسة. كلمات صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في اليوم العالمي للمعلمين، تختصر هذا المعنى كله. فسموّه عبّر عن تقديره وامتنانه لمعلمي الإمارات، وثمّن دورهم في تحقيق أهداف رؤية التعليم وبناء أجيال واثقة بقدراتها، متمسكة بهويتها، وقادرة على مواكبة المستقبل، قبل أن يختم رسالته بعبارة تختصر علاقة المجتمع بالمعلّم: «شكراً لكل معلم ترك أثراً لا يُنسى في حياتنا».
الإمارات، عندما تتحدث عن مستقبل التعليم، تعرف أن الطريق لا يبدأ من الأجهزة والمناهج وحدها، وإنما من الإنسان الذي يقف أمام الطلبة كل صباح.
من هنا يأتي الاستثمار المتنامي في المعلّم. أكثر من 24 ألف تربوي شاركوا في أسبوع التدريب التخصصي مع بداية العام الدراسي 2026-2027، ضمن أكثر من 80 برنامجاً وورشة، فيما تستهدف منصة «كفاءات» 25 ألف قائد ومعلم وإداري ببرامج تطويرية متخصصة. حتى الذكاء الاصطناعي يدخل إلى المشهد من باب تمكين المعلم، لا استبداله.
فحين يستخدم 75% من المعلمين في الإمارات الذكاء الاصطناعي في عملهم، مقابل 36% في متوسط دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن السؤال لم يَعُد: هل ستدخل التكنولوجيا إلى الصف؟ لأنها دخلته بالفعل. السؤال الأهم: كيف نجعلها في خدمة المعلم والطالب، لا عبئاً جديداً على كليهما؟ وهنا تتضح فلسفة التجربة الإماراتية: أن تطور الأدوات، من دون أن تفقد المدرسة روحها.
المعلم ليس شاشة، ولا منصة، ولا خوارزمية. هو الإنسان الذي يلتقط ارتباك الطالب قبل أن يظهر في نتيجته، ويعرف متى يحتاج إلى إجابة ومتى يحتاج إلى تشجيع، ومتى تكون كلمة واحدة منه قادرة على تغيير مسار كامل. لذلك، فإن جودة التعليم تبدأ من سؤال بسيط: هل يشعر المعلم بأن المجتمع يقدّر ما يفعله؟
المؤشرات تقول إن 78 % من معلمي الإمارات يرون مهنتهم محل تقدير مجتمعياً، مقابل 22% في متوسط دول المنظمة. وهذه النتيجة انعكاس لفكرة أعمق: حين نرفع مكانة المعلم، فإننا نرفع مكانة التعليم نفسه.
وفي يوم المعلم، لا نحتاج إلى كلمات كثيرة. يكفي أن نتذكر معلّماً ترك فينا أثراً. ثم نسأل أنفسنا: هل منحناه نحن المكانة التي يستحقها؟


