الوثيقة، حفظ واستدعاء واستدراج وانتظار وتأمل في مخزون الذاكرة، وهي ما يملأ جعبة المكان، وما يفيض به الزمان، وما لا يمكن أن يكون خارج التاريخ، ولا بعده، ولا قبله.
الوثيقة هي الحافظة والحاضنة والمضيفة والمستقبلة، والمؤدية دور العقل، عندما يكون العقل في مهمة عاجلة لصناعة ما يمزج بين الأمكنة الزمانية الثلاثة؛ الماضي، والحاضر، والمستقبل.
الوثيقة رحم الأجنة التاريخية التي تسكن ضميرها، وتملك أحشاءها، وتستولي على اهتمامها، وتخوض معها دورة الحياة، من دون كلل، ولا ملل.
الاحتفاء بالوثيقة احتفاء بذاكرة الإنسان، وخطواته على الأرض، وكل ما نحتته الأقدام على أديم الأرض، وهي ذاهبة إلى المستقبل، وهي تسجل على سبورة التاريخ ما استتب، وما كتب من دروس وعبر ومواعظ، وما قرضته الألسن من حكم لها وقع المطر على الأرض اليباب.
وفي زمننا هذا، تستطيع استخراج المعلومة بضغطة زر، لمسة أنملة أنعم من جناح طائر خرافي، الوثيقة تستطيع أن تمنحك القوة في إعادة رسم صورة الماضي في عيون الأجيال.
الوثيقة ليست كما من الأوراق أو الصفحات على شاشة جهاز أبكم، بل هي عالم يطوي المعنى على عنق زجاجة صنعت من مادة الوعي الوثيقة، هي الكائن الحي الذي يصحو لكي لاتنام الذاكرة، بعيداً عن مخدع الوفاء للتاريخ، والانتماء للوطن، للإنسان، للحياة.
وهذا هو الدور المنوط به الأرشيف والمكتبة الوطنية، وبجدارة الأوفياء، يعمل فريق العمل في هذه القلعة الوطنية، من أجل إنسان قادم وعلى شفتيه سؤال، من أنا، وسوف يرى نفسه لمجرد الإطلالة على مرآة الأرشيف والمكتبة الوطنية، سوف يلمس ما للوثيقة من أهمية قصوى لحفظ التاريخ وحمايته من عيون لا ترى، وآذان لا تسمع، وعقول لا تعي، قلوب لا تحب، وبالحب يبني الأرشيف والمكتبة الوطنية، علاقة مع الوثيقة، يبني سرده الأبيض على صفحات وأوراق تشبه أوراق الشجرة الباسقة، وهي تسدل أغصانها على المدى تذكر العالم بأن الحياة ورقة ممدودة بين ورقتين، الأولى كتب عليها حرف (من) والثانية كتب عليها (إلى) وما بينهما سؤال لماذا نحب الحياة؟ فتجيب الحياة، لأني الشجرة التي جاءت منها الثمرة. فشكراً للذين يزرعون أشجار الذاكرة على تربة اسمها الوثيقة، ويضعونها في القلب من المكان، وفي العقل من الزمان.
شكراً لكل من ينعم علينا بحفظ تاريخ وطن أعطى وأجزل في العطاء، وأنعم وزاد في النعم، وأفرح وفاض في الفرح، وأسعد وجعل من السعادة مخدعاً للمشاعر، ومهداً لحياة لا تشوبها شائبة. شكراً لأن الشكر واجب لكل من ينعم على الوطن بحبه وتفانيه. شكراً لمن استدل للوثيقة مكاناً في القلب، فهي الرقية التي تحفظ، وهي الترياق الذي يمكن، وهي إكسير يمنع الذاكرة من نسيان واجبها.


