تقف امرأة أمام محل تجاري في إحدى المدن الفرنسية، تراقب بعينٍ وحالٍ يملؤهما العجز أشخاصاً يهاجمون المكان لنهبه وتخريبه. حاولت إيقافهم مستنكرة ما يحدث بلا جدوى، ثم ابتعدت بألم! استرجعتُ بسبب تلك اللقطة التي انتشرت عبر وسائل التواصل مؤخراً -بسبب الاحتجاجات التي عمت فرنسا نتيجة المطالبة بإصلاحات-، زوجةَ الطبيب في رواية «العمى» للبرتغالي جوزيه ساراماغو؛ المرأة التي بقيت مبصرة في حين أصاب الجميعَ العمى الأبيض؛ فكانت ترى وتدرك حجم الانهيار الذي يتسع من حولها من دون قدرة على منعه!
في تلك الرواية، كنتُ أعتصر ألماً على حال زوجة الطبيب، ووددتُ من كل قلبي لو أن العمى الأبيض أصابها لترتاح من ألم مشاهدة الانهيار الذي أصاب النظام. تذكرتُ ذلك أمام بؤس المرأة الفرنسية وكلي رعبٌ، وكأني مكانها حاضرةٌ الآن، أشهد على تحول كل شيء اعتقدتُه صواباً إلى أمر سفيه وتافه أمام طوفان الخراب الجماعي. رعبٌ من العزلة التي تفرضها علينا المعرفة وتناقض الواقع، ونعيشها بسبب البصيرة.
بين الرواية المتخيّلة والمشهد الحقيقي، تبدو السيدتان شاهدتين على الخراب الكثيف الذي وصل إليه الناس من حولهما، ولم يكن ذلك ميزةً لهما، بل عبئاً نفسياً ثقيلاً عليهما. كلاهما اكتشفتا أن هوان العقل والحدس الأخلاقي لم يعودا كافيين لردع السلوك الهمجي. كلاهما عاشتا اللحظة المرعبة التي يتملك فيها الفردَ شعورٌ بأن الحضارة والقيم والتعايش قشرةٌ هشة، تتداعى في حال اختل النظام.
بين رواية ساراماغو والحادثة التي شهدتها فرنسا ثلاثة عقود، وما زال العمى الإنساني حاضراً، لكن رؤيته بهذه الواقعية عبر شاشات التلفزيون جعلت الرعب أكثر كثافة. رعبٌ لم ينتهِ بإصلاح واجهات المحلات، وامتلاء الرفوف بالبضائع، واستعادة المدينة لأضوائها؛ بل سيبقى مع الشاهد الذي رأى ما لم يكن يتصور أن يراه. وبعد كل هذا.. يا ترى، مَن الذي يحتاج إلى الترميم فعلاً، تلك الأبنية والمحلات التي دُمِّرت، أم نفس الشاهد المبصر الذي رأى كيف يمكن أن تتهاوى القيم الإنسانية في لحظات؟!


