اليوم، تطفئ صحيفة «الاتحاد» شمعتها السابعة والخمسين، وهي أكثر من صحيفة، إنها حكاية وطن، وذاكرة اتحاد، وشاهد على مسيرة استثنائية صنعتها الإرادة والرؤية والإيمان بالمستقبل، ففي عمر الأوطان محطاتٌ لا تقاس بالسنوات وحدها، بل بما تتركه من أثر في الوجدان، وما تصنعه من ذاكرة مشتركة، وما تحمله من أحلام تكبر مع الأيام.
في 20 أكتوبر 1969، أبصر الحلم النور، واختار الوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه، للصحيفة اسم «الاتحاد»، ليكون معبّراً عن الفكرة التي جمعت القلوب قبل أن توحّد الأرض، وعن طموح دولة كانت تخطو بثقة نحو الغد. ومنذ انطلاقتها، واكبت الصحيفة مسيرة التأسيس، ونقلت إلى الناس ثمار العمل، وتابعت بناء صرح الإمارات الشامخ، الذي أصبح، بفضل الله ثم برؤية قيادته الرشيدة، نموذجاً عالمياً في التنمية والتسامح والتعايش والإنجاز. وعلى امتداد هذه العقود، ظلت «الاتحاد» نبضاً للوطن، وصوتاً للمواطن، ومرآةً للتحولات الكبرى والمكتسبات الوطنية.
في هذه المناسبة، تتزاحم أمامي الصور والذكريات، يستحضر معها المرء بكل الوفاء والتقدير أجيالاً من الصحفيين والكتّاب والعاملين الذين تركوا بصماتهم في مسيرتها، وأسهموا في ترسيخ مكانتها، وجعلوا من الكلمة مسؤولية، ومن الصحافة رسالة تتجاوز نقل الخبر إلى صناعة الوعي. رجال من أبناء وبنات هذا الوطن الغالي وأشقاء من دول عربية مروا من هنا وأضافوا للمسيرة الرائعة بصمات جميلة بفكرهم وعلمهم.
ولأن الاحتفاء بالتاريخ لا يكتمل إلا باستشراف المستقبل، دأبت «الاتحاد»، منذ عام 2006، على إحياء ذكرى صدورها بتنظيم منتداها السنوي، الذي غدا منصة فكرية للحوار ومناقشة القضايا الاستراتيجية، بمشاركة نخبة من المفكرين والباحثين والكُتّاب، انطلاقاً من رؤية وطنية تقرأ التحولات الإقليمية والدولية وتستشرف تداعياتها.
وفي نسخته الحادية والعشرين، المنعقدة اليوم تحت عنوان «العلاقات الدولية والتحالفات.. الواقع الراهن والمعنى الاستراتيجي»، يفتح المنتدى ملفاً بالغ الأهمية في عالم تتسارع تحولاته، وتتداخل فيه المصالح، وتتجدد التهديدات. كيف تُبنى التحالفات؟ وكيف تتطور في مواجهة الأزمات؟ وما الأسس التي تضمن قدرتها على مواكبة المتغيرات وحماية المصالح الوطنية ودعم مسارات التنمية؟ أسئلة تتجاوز النقاش النظري، لتلامس واقع المنطقة ومستقبلها، وتؤكد أهمية الحوار الواعي وقراءة المشهد بعيداً عن ردود الفعل الآنية. سبع وخمسون شمعة، ليست مجرد احتفال بعمر صحيفة، ولكنها احتفاء بمسيرة وطن، ووفاء لأجيال صنعت الحكاية، وتجديد للعهد بأن تبقى الكلمة جسراً بين القيادة والمجتمع، وأن تظل «الاتحاد» شاهدة على إنجازات الأمس، ومواكبة لأسئلة اليوم، وشريكة في صناعة ملامح الغد.