في خضم بهجتنا، وسرورنا وحبورنا بـ«الرسائل»، وحضورنا في منازل الطيبين، نجد أنفسنا معنيين بالسير قدماً في نعيم هذه الملهمات، هذه المنمنمات، وهذه الفسيفساء الإبداعية التي تقف عند مشارف أهداب العيون، فتمنحها بريق المُقل، تمنحها أناقة الوصل، وفصول المعرفة بمعنى أن تكون الرسائل نسائم تهبّ على المُهج، لتهديها نعيماً من سماء تكلّلت بلون النجوم ضياء، واستدارة الأقمار جمالاً، ونصوع الشموس، روعة، وبراعة. 
نشعر ونحن نقرأ ما بين السطور بشيء من سحر البلاغة، وفخامة معجمية، تحرّضنا على سرد ما تتغنى به الطيور، وما تترنم به قيثارة الصحراء، وما تبتهج لأجله وردة برية، سمتها العطر، وشيمتها البهاء الفطري، ومن دون احتراق شمعة الليل. لا ذبول وجه النهار، ولا انطواء الجفون على غبن، أو شجن، أو لحن غرائبي يثير الشفقة. 
في هذا الخضم، في هذا الأشم، في هذا الأهم، في هذا البوح وخير الكلِم، نشعر بأن الحياة لن تطفئ مصابيحها ما دامت الرحمة تمضي على رموش العشاق مثل الكحل، مثل السجل، مطوي على نزاهة المعطى، ونقاء السريرة، وصفاء وجهة الموجة وهي تمشط خصلات السواحل، وببياض عفويتها نشعر ونحن نسكب في وعينا بما تسرده الرسائل من مفردات لها في الزمان نقش الحناء على كفوف أنعم من الوردة، وأزهى من أجنحة الفراشات.
 نشعر ونحن نملأ جعبة الأشواق بعذب وسكب ونخب وحدب ورحب وحب يغنم الذات كما يغنم الآخر، عندما يكون الحب كالهواء والماء يكون فيضاً لا يجيد نسجه في الضمائر إلا شاعر، مد للمدى شراع الود، مد الصورة المثالية لقصيدة لها في جبين القصائد ما يشبه المطر، وما يقترب كثيراً من عشق الطير للنهر، ما يسبق خطوات الجياد في الوصول إلى باحة الشعر. ونشعر بأننا في قراءة المعاني نتهجّى صورة المعنى في سيرة شاعر ألهمه الله سبك القصيدة من ذهب القلب المحب. الراية بيضاء ناصعة. 
ونحن نتتبع الخطوات، كما تتبع الفراشات رائحة العطر، في معطف الوردة، في ثمار البذل المتألق بالفوز، وحصد الدرجات العلا، في وطن سمته الاستثنائية. قيمته تكمن في تسامي المشاعر، وسمو الذات، لا نتوقف عن القراءة، لأنها في البدء خطوة، ولا نهاية للخطوات. نشعر بهذا الملهم من كلام، تنقشه الكلمات، عبارات رضية، ومعانٍ تعلو على كل معنى، كما تعلو الجبال، وكما تسمو السماء، وهكذا تبدو الراية، في غير نهاية تعلو، وتعلو القصيدة بعلو الشعر في ديوان شاعر، في رسائله، تبجّلها قواعد المعجم في لفظه ومعناه، وفي مضمونه وشكله.