أولت الإمارات مسألة الأمن الغذائي اهتماماً كبيراً منذ بواكير تأسيس الدولة، انطلاقاً من الرؤية الثاقبة للوالد المؤسس الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيّب الله ثراه. وقد كانت النخلة في صدارة ذلك الاهتمام، وقلب الرؤية التي واصلت قيادتنا الرشيدة تطويرها، لتغدو رمزاً للأصالة وركيزةً للإنتاج والاستدامة.
ومن هذا المنطلق، تكتسب الدورة الخامسة من مهرجان الظفرة للتمور أهمية خاصة، لتؤكد أن حماية الموروث الزراعي وتطويره يمثلان استثماراً في مستقبل الأمن الغذائي. وجاء انطلاق المهرجان في السادس عشر من أكتوبر الجاري، متزامناً مع يوم الأغذية العالمي، الذي تحتفي به منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة «الفاو»، تحت شعار «ابتكار اليوم، غذاء الغد»، في توافق يعكس وحدة الهدف بين صون الموارد وتعزيز الإنتاج وتوفير غذاء آمن ومستدام للأجيال المقبلة.
النخلة في الإمارات ليست مجرد شجرة تمنحنا ثمارها، بل قصة علاقة متجذّرة بين الإنسان والأرض، تختزن خبرات الأجداد وتفتح آفاقاً واسعة أمام الابتكار. فالتمور بما توفّره من طاقة وألياف ومعادن، وبما تتيحه من فرص للتصنيع الغذائي وتنويع المنتجات، تمثّل مورداً اقتصادياً وغذائياً يمكن تعظيم عوائده، متى اقترن الإنتاج بالجودة والتطوير والتسويق الفاعل.
ويأتي المهرجان، الذي تنظّمه هيئة أبوظبي للتراث برعاية سمو الشيخ حمدان بن زايد آل نهيان، ممثل الحاكم في منطقة الظفرة، ليمنح هذه الرؤية مساحة عملية للتجسيد، من خلال مسابقاته المتنوعة ومزادات التمور والنخيل، وفعالياته التراثية والاقتصادية. كما تتيح مشاركات المزارعين والمنتجين وأصحاب المشاريع تبادل الخبرات، وتحفيز المنافسة على الجودة، وتوسيع فرص تسويق المنتجات المحلية، فيما تضفي استضافة دولة الكويت الشقيقة بصفة ضيف شرف بُعداً ثقافياً يعزز روابط الأخوة والموروث المشترك.
وتتكامل هذه الجهود مع استراتيجية التحول الزراعي في أبوظبي، القائمة على مبدأ «إنتاج أكثر بموارد أقل»، عبر رفع كفاءة المزارع، وتحسين جودة المحاصيل، وترشيد استهلاك المياه. ويبرز في هذا السياق برنامج زراعة 400 ألف نخلة من الأصناف عالية الجودة والإنتاجية، بما يعزّز الجدوى الاقتصادية ويحافظ على الموارد الطبيعية.
التحدي اليوم لا يقتصر على زيادة الإنتاج، بل يمتد إلى تقليل الفقد والهدر، وتوظيف التقنيات الزراعية المتقدمة والذكاء الاصطناعي، وتحويل المعرفة المتوارثة إلى حلول تواكب متطلبات المستقبل.
وهكذا، يؤكد مهرجان الظفرة للتمور أن الوفاء للماضي لا يتعارض مع الابتكار، بل يمنحه جذوره الراسخة.