عند الأولين الطيبين، للرسائل رائحة الأشواق، وسبر الأحداق، وفكرة مجللة بالتسامي، وأحلام عالم عفوي، يطفو على صهوة سحابة من المشاعر، الحانية، والانتماء إلى الآخر، بكل ما تحمله الكلمات من أنهار الحبر، التي جعلت الرسائل فصائل لعالم يتشكل من جديد، ويحلم غير، ذات الحلم الذي لون الحضارة، بألوان عيون ترى، ولا ترى. 
عند الأولين الطيبين، كانت الرسائل تمضي مضي الدماء في الجسد، وتسقي الأرواح بعذب القواعد اللغوية، المبهرة، والتي تأتي من أتون النهر الخالد، في جغرافية منهجها أن الرسالة هي عبق أرواح، عشقت الحياة، ولما فارقت من تحب، أشتعل القلب شيباً، ولا نامت أعين «النجباء»، لا هدأت نفوس النبلاء، لا سكنت قريحة، الأوفياء، فتأتي الرسائل، تأتي كي تخضب كفوف الحياة، بأمل يشبه المطر، يغسل رموش الأرض، بماء الفضة، ويسكب على العيون برق، وبريق، وشوق أنيق، يتحلى برشاقة مشاعر، كأنها السنابل، كأنها الخيوط الرفيعة في كل نابل، مشاعر لها في الزمان صورة إنسان شفه الشوق ، فانبرى ، توقاً، ونسقاً، يسير في دروب الهوى، تواقاً، للنوى، ومهما جرى فإن الحياة في إخفاقاتها، خطوات تلي الخطوات، وفي محنها، تبدو صفحاتها خاوية إلا من قلم، يطارد الكلمات، كما تطارد الفراشات، رائحة الورد، كما تسارع النجوم، في لباس النوم، كي لا يخشى القمر العتمة. 
جاهزية الرسائل لا تبدأ من ورقة وقلم، وإنما تبدأ من انفتاح صفحات القلب، واستعداد النبضات كي ترف مثلما ترف أجنحة الفراشات عندما تصافح وجنات الورد، ونحن في الحياة، نحن في محيط المخلوقات، عندما تنفتح الجفون على الوجود، نستمع باهتمام بالغ، إلى نعيم الطير وهو يرسل خطابه الصباحي إلى شريك الحياة، يدعوه لوجبة صباحية، تبدأ ،بالعناق، وشم رائحة الريش، في طيات العرق، بعد رحلة مطولة الفصول، في أرجاء العوالم الفضائية، المبهرة،. تأتي اللقاءات، لتتوج اليوم الصباحي، وترخي على النظرات، بريق الفرح.
ها نحن لا زلنا نقرأ الرسائل، نتهجى كلماتها، بروح عالية المنسوب، روح لها وشم الحب، يطوق المقلتين، ويمنح الحاجبين رعشة الفرح، عندما نتلمس في الرسائل ما يبعث على الدهشة، كونها تمثل خطاب الأمل ، خطاب الروح للأرواح يسري، خطاب من سكب مهجة علمتها القصيدة، كيف يكون للرسالة طابع النجوم وهي ترسم صورة الوجود على جبينها كما ترسم الاشجار، صورة الثمرات على أغصانها، وكما يرسم العشاق، صور العشق، على وجناتهم، عاكفين على الود والسد، منهمكين في صناعة عالم خال من الغضون والشجون، ووهن المشاعر، وعهن القلوب.