كان من ضمن مما درسناه في الجامعة في مادة علم النفس، قصة تجربة وبحث أجري على نَفَر معصوبي العينين، وجعلوهم يتحسسون جسد فيل، ويسجل كل شخص انطباعه، ومدى معرفته بذاك الشيء المحسوس الملموس، فوصف كل شخص جزءاً من الفيل مشبهاً، فالرِجل يمكن أن تكون ساق شجرة كبيرة، والأذنان يمكن أن تكونا زعانف حوت نافق، أو بطانية رطبة، والخرطوم والذيل اختلط أمرهما، وأنهما يمكن أن يكونا خراطيم وتمديدات مياه، والجبهة يمكن أن تكون باب معبد قديم، والجلد صار جداراً غير واضح المعالم لحصن أو قلعة تاريخية، كل واحد من أولئك الخاضعين للتجربة، والتعرف على ما يلمسونه، وما يوحي لهم، قاربوا الحقيقة، لكنهم لم يعرفوا الحقيقة، وجانبوها، ولم يتعرفوا على الفيل، لأنه وصلهم مجزءاً، رغم أنه كان فيلاً ببساطة.
وهذا ما حدث حين عرضت إحدى الزميلات صورة تم تداولها على بعض الحضور لامرأة ظهرت عليها الندبات والجروح، وكأنها تعرضت للعنف، فبدا وجهها متورماً، وبه كدمات، الفريق النسائي تحول بمجمله، ونتيجة تأثير الصورة، ومخاطبتها للعاطفة الهشة نحو العنف المنزلي، وصرخن بالسباب والشتائم، وعظام الأمور على الزوج، وناصرن أختهن ظالمة أو مظلومة، وأقل الكلام الذي كان موجهاً من طرفهن للزوج، «أنه ليس برجل»، و«أنه مريض نفسياً» و«سادي» و«لديه عقد في حياته»، وصرخت واحدة من بينهن: «والله لخلعه، وقبل ما اخلعّه، بخلّع له رقبته»! ولا واحدة خرجت عن ذلك الانفعال الأنثوي، ثم مالن نحو ترقيق الحالة نحو من أعتقدن أنها الضحية، مثل، «مسكينة عندها عيال، وهو لا يُقَدّر»! «حرام... عليه، هذا مسعور»! «الله لا يبلينا بمثله، هذا بيروح النار بلا حساب»!
في حين انقسم الفريق الرجالي، منهم من تأثر بصوت نُون النسوة، ومنهم من اتخذ العقل، وجنّب العاطفة، فقال أحدهم: «نحن لا ندري، حكمّنا من خلال الصورة، ربما وجهت له ضربة قاتلة»، وقال آخر: «ربما أخرجته عن حلمه وطوعه واستفزته بقول أو فعل»، وأردف آخرون بقولهم: «ربما اغترفت ذنباً لا يغتفر»، وتطرف آخر قائلاً بحكم شبه مؤكد: «هذه فعلتها شينة، وتخجل الرجولة»!
كلا الفريقين جانب الصواب، واجتهد، وفق نفسيته، ووفق علله الداخلية، ووفق إسقاطات آتية من النفس الإنسانية، وعُقدها، لكن الحقيقة أنه «لم يكن غير فيل»، ولم تكن غير صورة لامرأة تعرضت لحادث سيارة، خرجت منه سليمة لولا تلك الخدوش والكدمات وبعض التشوهات الطارئة في الوجه، وأن الزوج بريء، وكان قلبه يحترق على زوجته في ذلك الحادث، والزوجة تحب زوجها، وتقدر موقفه ووقوفه جانبها في ذلك الحادث.
هكذا نحن ننظر لما نريده، وما تمليه علينا نفوسنا، وما يمكن أن يريح أحوالنا المتأزمة، لا ننظر لأوجه الحقيقة، ولا نقدم العقل قبل العاطفة، ولا نتحدث بموضوعية، نحن جميعاً واقعون تحت تأثير الانفعال والحماسة والعاطفة الجيّاشة، وتأثير الصورة القوي أو الصوت الذي يسلب اللب! وعلينا دائماً بالظاهر والبادي.


