«لا أُحبُّ ملابس المدرسة... لماذا لا نلبس ما نريد؟» هكذا قالت الصغيرة بتذمر أثناء جلسة المكتبة التي أُقدِّمها لطلاب المستوى الخامس. فوجهتُ كلامي للجميع: «من يعرف السبب في توحيد الزي المدرسي؟» فأجابت طالبة: «يتحكمون بنا!»
بالفعل لم يكن لديّ إجابة حاضرة، فأخبرتهن: «فلنتخيل أنه لو ترك القرار لكنَّ، ماذا ستفعلن؟» فتنافسْنَ في إجاباتٍ لم أسمع منها شيئاً بسبب حماسهن. فأخبرتهن أنني أعتقد أن هذا تماماً ما سيحدث؛ ستتنافسن فيما بينكن، وسيتحول الصف المدرسي إلى قاعة استعراض للأزياء!
لم ترق الإجابة لهنَّ، وقالت صاحبة الاعتراض: «لم أقتنع». هنا عرفت أن الأمر لن يكون عارضاً!
بدأت أُحدثهن عن ذلك المشهد الاستعراضي الذي بدأنَ يتباهينَ به علناً، رغم أنه في خيالهن فقط، وسألتهن عن شكل الصف المدرسي كيف سيكون؟ وما سيظهره ذلك من فروق اقتصادية واجتماعية بينكنَّ؛ فلكل أسرة مقدرةٌ مالية متباينة في توفير احتياجات أبنائها، وأن لوالدينا أذواقاً مختلفة وأولويات حياتية متباينة في اقتناء الأشياء، وأن هذا سيظهر بالتأكيد على شكل الطلاب الخارجي، ما سيجعلُكنَّ متمايزاتٍ في مكان يجب أن يكون التمايز فيه فقط للتحصيل الدراسي. وبطريقتهن ومفرداتهن حاولت تقديم تلك المقاربة، وهنا بدأ الأمر مقبولاً إلى حد ما، حتى تلك الفتاة التي قالت إنني لم أقتنع، أجابتني: لقد فهمت.
المثير فعلاً أن أمراً صغيراً كهذا الاحتجاج الغَضِّ في حياة المدرسة، يكشف عن مسألة أكبر تتعلق بالطريقة التي يتعرّفُ بها أطفالنا على حريتهم وحدودها، وعلى تعريف القواعد وبرهنتها التي تحمي حياتهم المشتركة ولا تروق لهم أحياناً! وقد يكون هذا الأمر من أشدّ الاحتياجات التي يجب أن يتعلمها الفرد في أولى سنواتِ حياته.
هذا النوع من الأسئلة هو أكثر ما يثير اهتمامي في كل مرة أكون فيها بين الأطفال في المكتبة؛ فقد اكتشفت معهم أن المعرفة الحقيقية تأتي من طرح الأسئلة التي تجعلنا نعيد النظر فيما نظن أننا نعرفه. كما أن بعض الأسئلة لا تحتاج إلى أعمار طويلة كي تولد، وبعض الإجابات لا تأتي إلا بعد أن نتعلم كيف نصغي. وربما يكون أجمل ما في هذه التجربة أنها جعلتني أرى المعرفة شيئاً أكتشفه مع الصغار، وليست بالضرورة شيئاً أمنحهم إياه.