يعود معرض الشارقة الدولي للكتاب كل نوفمبر عُرساً معرفياً متجدداً، تتجدد معه الأفكار، وتتوهج فيه الكلمة، وتلتقي على أرضه ثقافات العالم تحت مظلة الكتاب. ومع افتتاح صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، عضو المجلس الأعلى حاكم الشارقة، الدورة الخامسة والأربعين من المعرض، تحت شعار «من صنع الحكايات»، تؤكد الإمارة أن حكايتها مع المعرفة ليست حكاية تُروى، وإنما مشروع حضاري متواصل تصنعه الرؤية، وترعاه الإرادة، وتثريه الأجيال.
وفي قلب هذا العُرس الثقافي، يتجلى الإنجاز المعرفي لصاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، الذي جعل من الكتاب رسالة حياة، ومن البحث والتوثيق مسؤولية تجاه التاريخ والإنسان. فسموّه لا يكتفي بافتتاح دورة جديدة من المعرض، بل يحرص على أن يترك في كل دورة بصمة علمية وثقافية جديدة، وأن يميّزها بإضافة مؤلف من مؤلفاته، يحمل خلاصة سنوات من البحث والتنقيب والتدقيق، ويقدم للباحثين والقراء مادة معرفية تثري المكتبة العربية والإنسانية.
وفي هذه الدورة، يأتي كتاب «البرتغاليون في المحيط الهندي»، في61 مجلداً باللغة العربية ومثلها باللغة الإنجليزية، تتويجاً لسبعة وثلاثين عاماً من البحث والتحرِّي والجمع والتوثيق. إنه ليس مجرد إصدار جديد، بل مشروع تاريخي يضيء جوانب مهمة من تاريخ المنطقة وشعوبها، ويقدم للأجيال مرجعاً يستند إلى البحث العلمي والمصادر التاريخية.
وإذا كان هذا الإنجاز يجسِّد عطاء البحث الفردي، فإن إطلاق 143 مجلداً من «الموسوعة العربية الشاملة في العلوم والآداب والفنون والأعلام» يفتح أفقاً أوسع لمشروع معرفي عربي جامع، يستهدف أن يكون مرجعاً موثوقاً للباحثين والدارسين، ورقياً وإلكترونياً. وتكتمل هذه الرؤية بإطلاق «جائزة هارون الرشيد في العلوم والآداب والفنون والأعلام»، لتكريم أربعة من العلماء والمبدعين سنوياً، والاحتفاء بمن يضيفون إلى رصيد المعرفة الإنسانية باللغة العربية.
وتأتي سلطنة عُمان الشقيقة ضيف شرف هذه الدورة لتضيف إلى المشهد جسراً جديداً من التواصل الثقافي والأدبي بين الأشقاء، فيما يجسّد تكريم الدكتور سعيد يقطين شخصيةً للعام الثقافية، والاحتفاء بالترجمة، إيمان المعرض بأن المعرفة تزدهر بالحوار وتبادل التجارب.
خمسة وأربعون عاماً، وما زال العرس يتجدد، وما زالت الشارقة تصنع حكايتها مع الكتاب. حكاية عنوانها صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي، ومتنها المعرفة، ورسالتها أن بناء الإنسان يبدأ من عقله، والأمم التي تحتفي بالكتاب إنما تحتفي بمستقبلها. أضواء هذا العرس لا تنطفئ بانتهاء أيام المعرض، بل تظل متوهجة في العقول والبيوت والمكتبات، جيلاً بعد جيل. شكراً سلطان الثقافة ودامت الشارقة منارة وعاصمة للثقافة والكتاب.