يعاني مصطلح السردية اليوم من تحميل متعدد وزائد لمدلولاته، فقد بات لكل شخص سرديته التي ينوي تقديمها والبوح بها، ليس في الأدب القصصي والسيري وحسب، بل في البودكاست وفي الفضاء المتعدد الوسائل هذا، بحيث لم تعد التجربة والخبرة الحياتية والقيمة الفنية شرطاً حاسماً لتقديم سردية ما لافتة ومدهشة وقيمية، ما يضع شرط الأدبية والموهبة في مهب الريح، فقد قرأت وفي مواطن كثيرة أن شهرزاد ذاتها لم تكن موهوبة قبلاً أو لم يعرف عنها ذلك، بل كانت خائفة حين جاء دورها، فبحثت عن طريقة للنجاة بروحها فوجدت ذلك في القص، فقدمت متواليات سردية وحكائية لامتناهية على مسامع شهريار، وذلك حتى تؤجل مصيرها المحتوم، ولننظر في ما سَطّره الأستاذ الجليل محسن الموسوي في كتابه «ثارات شهرزاد» حول مواجهة السرد لقضية المصير والتسلط وكذا قدرة السرد على ألا يكون نهائياً.
لكن يكفي أن نقول هنا بأن السرد إذا ما لم يكن مشوقاً ومدهشاً ومختلفاً سيتحول إلى ثقل كلامي سيختفي ويتلاشى، كما تلاشت الأغاني التي لم تخلّد بسبب ضحالة موسيقاها ومضمونها وأدائها، في الرواية على سبيل المثال، كما ذكرنا في مقال سابق، جوانب فضفاضة كثيرة واحتمالات متعددة ووصف يمكن أن يستطيل أو يُقتضب في أي مفصل سردي من مفاصل الرواية التي تصوغ حكاية ثرية ومكتنزة، وفي الجانب الآخر وفي القصة تحديداً لا يمكن الخلوص إلى النهاية، مهما كان شكلها مفتوحة أو مغلقة، بحل مناسب، ما لم يتمتع القاص بالقدرة على التكثيف في الجملة وفي رؤيتها وفي الوصول إلى تفاصيل مكانية وزمانية يقدمها في رؤية شعرية مستحدثة وليست نمطية، كما نسمع في القص الشفوي اليوم، فالشعرية لم تعد تُعنى بالجرسية الموسيقية، بقدر ما تعنى في الخطف وكسر التوقع والتخييب الذي يجعل القارئ صريعاً عند انتهاء تلقيه للقصة، فالقصة وبهذا المفهوم تشكل صورة النقيض للسرد المطوّل، فهي تكاد تقترب من الشعر، غير أن لها مجتمعها وشخصياتها ومكانها الذي تضيء منه، لتفضي إلى عوالم أخرى كانت مخفية أو مجهولة، ومن أفضل وأدق التعريفات التي قرأتها للقصة أنها تشبه سباق الخيل، فتبدأ سريعة وتنتهي سريعة كذلك، في حين أطّلع على إنتاج قصصي مليء بالحشو وبالكتابة بصوت الذات، دون المساس بالأشياء الأخرى ودون تمكينها البوح والبروز في القصة، بل غالباً ما تبدأ هاتيك القصص وتنتهي بلا عقدة أو حتى نهاية مربكة للقارئ.
ما أود أن أقوله إن القصة عالمٌ مكثفٌ، لكنه دقيق وحساس، فإذا لم تلسع نهاية القصة القارئ أو تكشف عن تفصيل غير مدرك سابقاً هنا أو هناك، فإنها ستكون وقت ذلك شبيهة بالتقرير الذي يعدّه المهنيون على تنوع أدوارهم.