فاطمة عطفة (أبوظبي)
تتمتّع «القصة الشعرية» بإرث أدبي عريق، وتجربة نوعية أثرت المشهد الثقافي العربي؛ فالمتأمل في خصائصها البنيوية ولغتها يدرك أنها فن أدبي يمزج بدقة بين حبكة السرد ووجدان الشعر، لتقدم -وفق رؤى المبدعين- حالة إبداعية تحاكي القصة القصيرة في تماسكها، وتلتزم بأوزان الشعر وقوافيه في صياغتها.
ما هي حدود القصة الشعرية؟، وكيف تتمايز ملامحها وبناؤها عن القصة الفنية والقصيدة التقليدية؟، تساؤلات تفتحها «الاتحاد» في حوار مع نخبة من الشعراء والمثقفين، سبراً لأغوار هذه الثيمة الإبداعية التي تمنح القصيدة جماليات مغايرة وطرحاً استثنائياً.

يقول الشاعر الدكتور شهاب غانم: «في الشعر الإنجليزي عادةً يقسّمون الشعر إلى أربعة أنواع: الشعر الغنائي، والشعر القصصي أو السردي، والشعر الملحمي، والشعر الدرامي أو المسرحي. أما الشعر القصصي فهو ما يُكتب بشكل قصة، كما فعل أمير الشعراء أحمد شوقي، على سبيل المثال، في قصيدته بين ديك وثعلب، وفي الشعر العربي غالباً ما تكون القصة تجربة شخصية تُروى ضمن قصيدة غنائية».

ويرى الناقد الدكتور نوفل نيوف أن معظم النقاد يتفقون على عدم خضوع الفنون الأدبية إلى الثبات والحدود المغلقة، وهو ما يعبّرون عنه بمصطلح «سيولة» الفنون الأدبية، وذلك لتداخل الحدود فيما بينها، بما تمثّله الحداثة الإبداعية، وبما تتيحه من تجديد وتجليات، وما تشتقّه من إضافات نظرية موازية، مشيراً إلى أن التراث الأدبي العالمي يقدّم أمثلة ساطعة من المسرحيات الشعرية، والرواية الشعرية، والملاحم والسرديات الشعرية، وصولاً إلى الشعر وقصيدة النثر المفتوحة الأبواب لأشكال التعبير.
وتابع الدكتور نيوف: «لا توجد جدران بين الشعر والقصة الأدبية، ولا مسوّغ مقنع للقول أو الاعتراف بوجود فن أو نوع أدبي مستقل، عنوانه (القصة الشعرية)، أو بما بات يطلَق عليه هذا العنوان»، مبيناً أن نجيب محفوظ اعترف بأنه بعد «الثلاثية» و«أولاد حارتنا»، وبدءاً من «اللص والكلاب» حتى «ميرامار» لم يكتب رواية واحدة، ولم يصنّف تلك الأعمال الأدبية في خانة «الرواية».

وأوضح الشاعر أحمد بالحمر: «إن تصنيف الأدب كنوع لا يعني شيئاً إذا ما وضع في كفة ووضع في الكفة الأخرى صدق الفكرة، وعمق المشاعر، والمعنى الذي يقف خلف ما يكتبه الأديب». وأشار إلى أن ما يهم الكاتب دائماً أن تمتلك النصوص قدرة على اقتياد القارئ إلى مكان لم يكن يتوقعه، لا أن تتركه جالساً في موضعه، يقرأ دون أن يتحرك داخلياً لإغناء تجربته ومعرفته، مبيناً أنه حين يتأمل خصائص القصة الشعرية، يجدها تتقاطع كثيراً مع قصيدة النثر، حتى يصعب أحياناً التفريق بينهما، أما اللغة، فحين يمسّها الشعر فإنها تكتسب قيمة فنية خاصة، وتولد فيها نغمة خفية تنقل مزاج الكاتب إلى القارئ من دون استئذان.