محمد عبدالسميع (الشارقة)
حين يكون نصّ العمل المسرحي شائقاً وحافزاً على المفاجآت، مع حضور الحكاية الإنسانية وإنتاج الخيوط والدلالات في قضية ذاتية يعجز صاحبها عن مواجهة مجتمع بأكمله أو عرف سائد؛ فإنّ الجمهور بالتأكيد ينتظر لحظة انحلال حبكة هذا النص المرسوم وفق تصوّر مسرحي يعزز من هذا الحضور، والرسائل الإنسانية المستمدة من هذا التصوّر.
ومسرحية «هير قرموشة»، التي كتب نصّها إسماعيل عبدالله، وأخرجها محمد العامري، وبُنيت على فكرة جميلة من الموروث الشعبي، كانت مشاركة فاعلة لمسرح الشارقة الوطني، ضمن فعاليات «أيام الشارقة المسرحية»، في دورتها الخامسة والثلاثين.

تتناول المسرحية قصة امرأة أحاطت بها الظنون من كل جانب، وغزتها أسئلة وعيون الناس، وكان أيّ عذر تقدمه مرفوضاً، بفعل مؤامرة اجتماعية حيكت ضدّها بمهارة التهم الباطلة التي كانت حاذقة، لدرجة أنها اكتفت بالإدانة بينها وبين نفسها لهذه المؤامرة.
طرحت المسرحية توقّف أسباب النجاة والدفاع عن النفس وإثبات البراءة، في ظل نمطية الاتجاه، وشعور الإنسان بغربة داخلية، وأدوات قاصرة عن إقناع الآخرين بمظلومية ما، أو الدفاع عن وجهة نظر صائبة؛ ومن هنا فقد كان الهروب أو الترحال وسيلةً وحيدة للبطلة قيد الظلم في العمل المسرحي الذي شدّ جمهوره.
كما فتحت المسرحية بعد لحظة الهروب محطةً جديدةً للبطلة في خلوة مع الذات، وسط آلام الخذلان؛ لمنحها فرصة إعادة ترتيب القوة الذاتية، والتفكير بحلول منطقية أكثر صفاءً وتنظيمًا للمواجهة وإثبات البراءة، وكشف زيف الاتهام.

المحطة التالية في العمل كانت لصالح بطلة المسرحية التي تضافرت لديها الأسباب، ونجحت في إقناع المجتمع، وإدانة المحيطين وفضح تورطهم في تشويه السمعة من خلال الظلم الاجتماعي، ولم يكن هذا الحل مفاجئاً للبطلة والجمهور، بقدر ما كانت المفاجأة الكبرى في تورّط زوجها نفسه في هذه المؤامرة، مع ما تركه ذلك من أثر نفسي وندوب لا يعالجها الزمن، بالنسبة للزوجة الضحية، والجمهور أيضاً الذي رأى في هذا العنصر الجديد عنصراً جديداً، ربما غير متوقع.
على المستوى الفني، استثمرت الرؤية الإخراجيّة كافة العناصر الفنية والسينوغرافية، في الديكور والإضاءة والأزياء، للانسجام الفاعل وما يسير معها من التقاطات بصرية معززة نهضت بالسرد، وأكدت الأثر المؤلم للنفس الإنسانية جراء الظلم، ومراحل الضعف والقوة لدى البشر.
كما جسّد الأداء التمثيلي قصة العمل والرؤية الإخراجية، المشحونة بالموسيقى والإيقاع الموجّه للحضور، والذي تفاعل مع التعب النفسي والألم الاجتماعي أمام قضايا ما يزال يعيشها المجتمع، حتى مع كل هذا التطور.