الأحد 11 أكتوبر 2026 أبوظبي الإمارات
مواقيت الصلاة
أبرز الأخبار
عدد اليوم
عدد اليوم
التعليم والمعرفة

نزار قبيلات يكتب: المُعلم أول الحرف وأول التأتأة

نزار قبيلات يكتب: المُعلم أول الحرف وأول التأتأة
11 أكتوبر 2026 01:11

مَن منَّا لا يتذكر أستاذه وملهمه الأول؟ إنه ذلك المؤدِّب الذي كنَّا نقف كل يوم في حضرة مهابته ووقاره، يعلّمنا ما لا نعلم، ويهذبنا وهو يشير إلى الطريق، تلك الطريق التي وصلنا إليها مؤخراً، بفضل حكمته وتوجيهه. المُعلم هو الوحيد الذي لم يفرح لتعثرنا ولا لثغاتنا، ولا للطبشورة وهي تسقط من يد البداية، فهو من أسمعنا صرير القلم على السبورة، وهو من حمل دفاترنا الصغيرة ذات السطور الزرقاء، والوحيد بعد الأبوين الذي شاركنا الممحاة والمسطرة في طريقٍ اعتقدنا أنه طويل وبعيد، حتى وصلنا بفضل صبره وجهده. فكل منَّا يتذكر تلك القامة التي غدت قدوتنا الحسنة، واليد التي امتدت إلينا حين تركتنا يد الأب في ساحة المدرسة. فأنا ما زلت أتذكر بوضوح تلك السبورة التي كتبتُ عليها حروف: الفاء، والقاف، والعين، والغين. 
وأتذكر بامتنان شديد أيضاً عصا الأستاذ وهي تشير إلى أصعب الحروف نطقاً، إلى «الضاد» التي لم تعرفها لغات العالم الأخرى. فكلما تذكرت سور المدرسة ويوم التخرج، لاحت في مخيلتي تلويحة الأستاذ لنا بُعيد الانصراف، وتذكرت صوته الرخيم وهو يملأ غرفة الصف، وقلمه الأحمر وهو يوشح الواجبات المنزلية وأوراق الاختبار، ليصحح أخطاءً تجنبنا ارتكابها لاحقاً.
كما أذكر بوضوح قلماً أعطاه الأستاذ لطالب لم يكن يحمل قلم الاختبار، وقال له: «اكتب ما فهمت لا ما حفظت، فما حفظته ستنساه، وما فهمته فسيُغرس في ذهنك وفكرك حتى تحتاج إليه». فشكراً جزيلاً لكل كلمات ذلك الإنسان النبيل، الذي كان أرفع مقاماً وأنبل خلقاً ممن صادفناهم لاحقاً ونحن نركب قطار الحياة، فذكراه لا تُنسى، بل تظل تدق جدران الحياة، كلما تنقلنا من محطة إلى أخرى. شكراً للمدرسة التي جعلت من المُعلم حكيماً يبني معنا الحلم والأمل والمستقبل، فكل لحظات الشرود تذكّر به حين تنثال الأفكار والحلول التي علّمنا إياها حين كان العمر غضاً طرياً. 
فله وحده كل معاني الشكر والامتنان والعرفان، نزجيها كلما أطلت ذكرى يوم المعلم، الذي لم ينسَ أن العلم والمعرفة ذخيرة الوطن، فهم بناة المستقبل وحماته.

*أستاذ بجامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية

جميع الحقوق محفوظة لمركز الاتحاد للأخبار 2026©