تعتمد حضارة القرن الحادي والعشرين في وجهيْها الفضائي (الأقمار الاصطناعية والصواريخ الحاملة لها) والأرضي (الحواسيب الذكية) على علم الجبر. ولكن كيف انطلق هذا العلم؟ وكيف بدأ؟ ومن أين؟
يجيب عن هذه الأسئلة كتاب للمؤرخ «جون ديربيشاير» عنوانه «التاريخ الحقيقي لعِلم الجبر». في هذا الكتاب يعزو المؤلف بدايةَ علم الجبر إلى الحضارة البابلية (العراق القديم). فالألواح الطينية المحفوظة حتى اليوم على شكل رفوف مكتبية، تحمل نقوشاً حول معادلات في الجبر. إلا أن أول كتاب في الجبر وضعه العالِم الإغريقي الاسكندري «ديوفانتوس» في القرن الثالث الميلادي، وكان عنوانه «علم الحساب» (Arithmetica). في ذلك الوقت لم يكن رقم الصفر معروفاً ولا الأرقام السلبية. وحتى الأرقام ذاتها لم تكن معروفة أيضاً. كانت تُكتب بالأحرف، مما يجعل العمليات الحسابية صعبة ومعقدة للغاية.
قلَبَ العلماء المسلمون تلك الصورة المعقدة رأساً على عقب. وتولى تلك العملية التغييرية محمد الخوارزمي (ما يزال اسمه مرافقاً لعمليات الجبر المعقدة)، ثم عمر الخيام. ويقول مؤلف الكتاب إن اسم الجبر هو بذاته من منتجات الحضارة الإسلامية.
أما عملية الانتقال إلى الحداثة فقد بدأت في القرن السادس عشر على يد علماء النهضة في إيطاليا. فالتنافس بينهم والتحديات العلمية المتبادلة حول حلّ المعادلات المعقدة والصعبة والمتداخلة، أدى إلى تطور هذا العلم وإلى فتح آفاقه المعرفية الواسعة. وقد وضع أحد أولئك العلماء، وكان طبيباً يدعى «جيرالمو كاردانو»، كتاباً تضمّن مجموعة من المعادلات المثلثة والمربعة، وذلك للمرة الأولى في تاريخ علم الجبر.
وصل علم الجبر إلى محطة متقدمة في القرن السابع عشر عندما استحدث العالِم الفرنسي «رينيه ديكارت» حرف X (اكس) ليرمز إلى الرقم المجهول. وكان العلماء الأوروبيون قد صرفوا أوقاتاً طويلة سدى من دون أن يتمكنوا من حلّ المعادلات الطويلة (واحد وأمامه 18 صفراً) واستمر ذلك حتى القرن التاسع عشر عندما اكتشف العالِم «نيل هنريك آبل» السبب، وذلك من خلال إثباته أنها قضية مستحيلة. وأثبت كذلك أنه لا توجد صيغة عامة لحل كل هذا النوع من المعادلات.
ما كان لعلماء الحساب والجبر أن يصلوا إلى هذه النتيجة الحاسمة بعد سنوات من المحاولات العقيمة، إلا بعد أن توجهوا إلى نوع مختلف من الأسئلة. فبعد قرون عملوا خلالها على معادلات فردية، بدؤوا التركيز على المتشابهات ليكتشفوا أنواعاً جديد من المعادلات والحلول. وهكذا حلّت النظريات العامة محل المعادلات الخاصة.
وعلى سبيل المثال فقد تمكن «جورج بوول» من المزاوجة بين المنطق وعلم الجبر، وذلك من خلال ابتداع وسائل عبر علم الجبر للتعبير عن المنطق. وعاش هذا العالِم حياة النساك رغم أنه كان متزوجاً. ومات على يد زوجته التي عالجت إصابته بالبرد بإغراقه في الثلج. غير أن أكبر مأساة لعالِم رياضيات هي تلك التي تعرض لها العالم الفرنسي «أيفريست غالوا» العبقري الشاب الذي قُتل وهو في العشرين من عمره في عملية مبارزة مسلحة. وبعد موته نُشرت نظرياته العلمية حول كيفية حلّ المعادلات الصعبة والمعقدة في علم الجبر.
استمر علم الجبر لقرون عديدة لعبة بيد الهواة، لكنه سرعان ما تحول إلى علم في حد ذاته أمسك به علماء محترفون، حتى أنه في عام 1870 أُلقي القبض في باريس على زائر نرويجي يدعى «سوفوس لي» بتهمة التجسس، كما نقلت الصحف الفرنسية في حينه. إلا أنه بعد التحقيق معه عُثر في حقيبته على مجموعة من الأوراق تحمل معادلات معقدة غير مفهومة، تبين فيما بعد أنها كانت معادلات حسابية في الجبر، ولم تكن معلومات سرية أو توجيهات مشفرة، وأن الرجل كان عالِم رياضيات، ولم يكن جاسوساً.

كاتب لبناني