الطعم الإمبريالي
في الأسابيع الأولى من حرب أوكرانيا مارس 2022 انسحبت شركات غربية من السوق الروسية ومنها «ستار بوكس» و«كوكاكولا» و«مكدونالدز» و«بيتزاهت» ، ولكل واحدة من هذه الشركات تاريخ في ذاكرة الروس زمن الاتحاد السوفياتي، حيث كانت أسماء هذه الشركات رموزاً للإمبريالية والرأسمالية وكانت من الموبقات الثقافية.
وفي قصة رواها ماركيز حيث كان مدعواً لزيارة الاتحاد السوفياتي العظيم حينها وفي صورته لدى ماركيز، وقد استجاب لتلك الدعوة بحماس الرفاق الشيوعيين الذين يرون الاتحاد السوفييتي رمزاً عظيماً ضد الإمبريالية وهو هناك موعود بأن يعيش أسابيع من المجد الثوري والمثالي، وقد خصصوا له مرافقة شابة تصحبه في تنقلاته حيث زار معالم البلد ورموز الثقافة الثورية، ولكن حدث في نهاية رحلته وقبل مغادرته أن تفاجأ بسؤال بريء من المرافقة عما إذا كان قد تناول الكوكاكولا، فقال نعم فسألته مندهشةً كيف طعمها فانهار أمام السؤال الذي هز عنده المعاني الاشتراكية العظمى وكيف لابنته الشيوعية المجيدة تسأل عن رمز إمبريالي وكيف تحرك السؤال من ذاكرتها التي كان يظنها ذاكرةً متعاليةً على كل ماهو إمبريالي ورأسمالي، وهذا ما جعله يرد برد كاسح يتسق مع نظام تفكيره الثوري حيث قال بسرعة: إنه مثلُ طعم غسيل الحذاء، هذا هو طعم كل ما هو إمبريالي.
وغادر ماركيز روسيا وفي حلقه مرارة نتيجة لذلك السؤال المر الذي خرج من رأس الشابة الروسية، وكيف خطر ببالها أن تسأل سؤالاً غير ثوري وغير اشتراكي لدرجة أن تفكر برمز رأسمالي وكأنه يمثل رغبةً نفسية عميقة تزهد بمجد السوفييت وتحلم بشيء إمبريالي.
وهذا السؤال الإمبريالي هو ما أصبح جواباً معلنا في موسكو لدرجة أن جورباتشوف وهو آخر زعماء الاتحاد السوفييتي ظهر في التلفزيونات وهو يتذوق البيتزا في إعلان متلفز عن مطعم بيتزاهت في موسكو، وحين سألوه كيف فعل ذلك رد بأنه بحاجة للمال، وهنا تجتمع رموز الرأسمالية على لسان زعيم شيوعي. بين إعلان مدفوع الثمن وبضاعة إمبريالية غزت فيها أميركا العالم مالياً وذوقياً حتى وصلت لحد قصور الاشتراكيين وبيوتهم وحد مذاقاتهم واحتياجاتهم الذاتية التي لا يسدها غير رأسمالية المال بلغته ونظام تفكيره، وصيغته الاقتصادية والذهنية.
*كاتب ومفكر سعودي- أستاذ التقد والنظرية / جامعة الملك سعود - الرياض