عندما وضعت الحرب العالمية الثانية أوزارها انتعشت الدعوة إلى السلام، وازداد التطلع إلى عالمٍ يسوده السلم. بدا أن ويلات تلك الحرب كافيةُ لتغيير العالم باتجاه السلام. وكان في منظمة الأمم المتحدة ومحتوى ميثاقها ما عبر فعلاً عن رغبةٍ في تحقيق سلامٍ عالمي. غير أنه لم تمض سنوات قليلة حتى أُفيق من ذلك الحلم الجميل على كوابيس مع نشوبٍ حروبٍ في مناطق عدة. ومع ذلك استُعيد الأمل عندما انتهت الحرب الباردة الدولية بدون صدامٍ عسكري، وبدا أن العالم قد يتجه إلى مرحلة جديدة يُستبدل فيها التنافس السلمي بالحرب المُسَّلحة.
ولكن الأمل راح مُجدَّداً، مثلما ضاع بعد الحرب الثانية. وها هو العالم يعاني الآن تداعيات حربين في شرق أوروبا والشرق الأوسط. طال أمد الحرب في أوكرانيا واقتربت من عامها الثالث، في الوقت الذي نشبت حربُ في غزة يصعب تقدير المدى الذي ستستغرقه. حربان في منطقتين حيويتين في قلب العالم. اندلعتا رغم أن تطوراتٍ إيجابيةً سبقت كلاً منهما وحملت بشائر سلامٍ بدا أنه قريب في المنطقتين. تحسنت العلاقات بين الولايات المتحدة وروسيا وريثة الاتحاد السوفييتي خلال التسعينيات، وبُدئ في توقيع اتفاقات والتفاهم على ترتيبات ثنائية وأخرى في إطار حلف «الناتو». وشهد العقد نفسه نقلةً كبيرةً في اتجاه السلام في الشرق الأوسط، فوُقع اتفاقا أوسلو ووادي عَرَبة، وبُدئ بالتالي في توسيع نطاق السلام الذي دشنه الاتفاق المصري-الإسرائيلي عام 1979. ومع نهاية العقد الماضي، عُقدت ثلاثة اتفاقات سلام جديدة، وظهر ما يدل على حدوث تقدم باتجاه اتفاق آخر. غير أن استمرار تعثر محاولات إيجاد حل لقضية فلسطين فتح الباب أمام حربٍ جديدة بدأت بهجومٍ على مستوطنات غلاف غزة في 7 أكتوبر الماضي.
وليس جديداً أن تنشب حرب في اتجاهٍ معاكسٍ لتطورات حملت بُشرى السلام. حدث هذا مراراً من قبل، لأسبابٍ أهمها عدم استيعاب دروس حروب متوالية ثبت فيها أن المنتصر والمهزوم خاسران، وأن السلام خيرُ وأبقى. وهذا ما يمكن أن نفهمه أو نستنتجه من كتابات تاريخية وسياسية عن حروب في مراحل مختلفة، ومن أعمال فنية آخرها فيلم المخرج العالمي ريدلي سكوت «نابليون» الذي صادفت بداية عرضه نشوب الحرب في غزة. فقد أمضى نابليون حياته محارباً من إسبانيا إلى روسيا مروراً بمصر وألمانيا والنمسا وهولندا وغيرها. انتصر في البداية، وهُزم في النهاية، وهو الذي كان يستطيع توظيف قدراته ومكانته لصناعة سلامٍ تاريخي في أوروبا.
ويُعيدنا ذلك إلى رائعة تولستوي «الحرب والسلام»، التي استلهمها من حرب نابليون في روسيا. جدل الحرب والسلم خط أساسي، بل الأساس، في الرواية التي أراد تولستوي أن يُنبَّه من خلال أحداثها وحوارات شخصياتها إلى أن في الحرب خسارةً للمنتصر كما للمهزوم، وأن انتصار روسيا لم يُعَّوض الدمار النفسي والأخلاقي الذي أصاب المجتمع. فكان كمن يُوَّجه نداءً من أجل السلام. هذا النداء، الذي واصله كثر بعده حتى الآن، لم يُسمع بعد. ومازال السلام العالمي بعيداً.
* مستشار مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية