كانت رئاسة جو بايدن تتويجاً لسعي دام عقوداً، لكن قناعته بأنه كان الشخص الوحيد المؤهل لهذا المنصب الذي لطالما أراده، كانت جزءاً كبيراً من سبب إخفاقه. تم انتخاب بايدن لعضوية مجلس الشيوخ الأميركي عندما كان عمره 29 عاماً، وهو صعود سريع يبدو أنه تركه واثقاً للغاية من مهاراته السياسية وشاعِراً بأنه سيشغل المكتب البيضاوي في وقت ما. ترشح بايدن للرئاسة ثلاثة عقود قبل حملته الناجحة في عام 2020. وفي المراحل الأخيرة من مسيرته المهنية، عندما بدا أن حلمه قد لا يتحقق، ألمح إلى أن الحزب الديمقراطي كان يتجاهل موهبة فريدة، أي يفرّط في سياسي كان سيبني علاقات أقوى مع «الجمهوريين» في الكونجرس مقارنةً بباراك أوباما، وكان يتواصل بشكل أفضل مع الناخبين من الطبقة العاملة مقارنةً بهيلاري كلينتون.
بايدن، رغم انطلاقته السياسية المبكرة الناجحة، بدخوله مجلس الشيوخ عن ديلاوير، لم تبرز جهوده عبقريةً سياسيةً كبرى، حيث أعيد انتخابه بسهولة في ولاية تميل لـ «الديمقراطيين». لم يكن له دور كبير في دفع تشريعات رائدة، ودعم سياسات مثيرة للجدل مثل حرب العراق. اشتهر بخطاباته المتشعبة وتصريحاته العفوية، والتي أضرت به أحياناً، مثل تعليقه غير المدروس عن أوباما في حملته الرئاسية لعام 2008، مما أضعف موقفه آنذاك. كان اختيار بايدن نائباً لأوباما مثالياً لأسباب تعكس مخاوف الحزب من قوة شخصية الرجل الذي سيصبح أول رئيس أميركي من أصول أفريقية. فقد كان أوباما، الشاب الأسود وغير التقليدي، يحتاج إلى توازن يُطمئن الناخبين المترددين، ولذا كان بايدن، السياسي الأبيض المخضرم، الخيار المناسب.
ومع ذلك، لم يُنظر إلى بايدن حينها كوجه مستقبلي للحزب، بل كداعم لتخفيف مخاوف الناخبين التقليديين. وفي البداية، عكست حملة بايدن التمهيدية لعام 2020، وهي ثالث محاولة رسمية له للوصول الرئاسة، صراعاته السياسية السابقة. فقد احتل المركز الرابع في أيوا والخامس في نيو هامبشاير. لكن بعد ذلك تدخلت مؤسسة الحزب لتأييده بشكل جماعي لمنع فوز السيناتور بيرني ساندرز (مستقل - فيرمونت).
وفي الانتخابات العامة لعام 2020، وفي وقت مبكر من رئاسته، قدّم بايدن نفسَه في بعض الأحيان باعتباره شخصية رمزية للحزب الديمقراطي أكثر من كونه زعيماً رسمياً له. وفي يونيو 2021، خلال مؤتمر صحفي للإعلان عن اتفاق مع 10 أعضاء في مجلس الشيوخ لزيادة الإنفاق على البنية التحتية، ظهر الرئيس بايدن منتشياً، مما أعاد الذكريات عن نسخته السابقة كشخص طموح شعر بتجاهل غير عادل في الماضي.
وأكد بايدن في كلمته أن الاتفاق يمثل خطوة مهمة للديمقراطية الأميركية، مشيراً إلى قوة الوحدة والعمل المشترك لتحقيق الإنجازات رغم صعوبة التوافق الحزبي. وبعد خمسة أشهر فقط من انتهاء رئاسة ترامب بمحاولة قلب نتائج انتخابات 2020 والعنف في مبنى الكابيتول، كان بايدن يعلن أن الديمقراطية الأميركية تعمل بشكل جيد للغاية.. بفضل مشروع قانون البنية التحتية. وكانت الحكومة الفيدرالية قد مولت الطرق السريعة وشبكات الإنترنت من قبل.
غير أن المجموعة التي عمل بايدن معها تضمنت خمسة «جمهوريين» من توجه واحد فحسب، وهي إشارة واضحة إلى أن هذا القانون لا يمكن أن يكون نموذجاً للتشريعات المستقبلية، حيث إن تحالف بايدن كان متعدد الثقافات بشكل محدود. وكانت هناك شائعات بأن «الجمهوريين» وأعضاء مجلس الشيوخ «الديمقراطيين» مثل الوسطيين جو مانشين الثالث (ويست فرجينيا) وكيرستن سينيما (أريزونا)، الذين عملوا مع بايدن على اتفاقية البنية التحتية، سيعرقلون بعد ذلك اقتراحه بشأن مشروع قانون شامل للسياسة الاجتماعية. كان ترامب هو الذي قال: «أنا وحدي قادر على إصلاح الأمر».
لكن اتضح في عام 2021 أن بايدن كان لديه اعتقاد مماثل. فهو سيعيد بناء علاقة الحزب «الديمقراطي» مع الناخبين من الطبقة العاملة الريفية والبيض، وسيعيد الحزبين إلى العمل معاً مرة أخرى في واشنطن، وسيعمل على الحد من الانقسام الحزبي في جميع أنحاء البلاد. كنت قلقاً من أن مثل هذه الثقة المفرطة واحترام الذات كانت وصفة للكارثة.. وقد كانت كذلك بالفعل، فبعد شهرين من اتفاقية البنية الأساسية، أساء بايدن إدارة انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان.
وأفشل مانشين و«الجمهوريون» في مجلس الشيوخ مشروع قانون السياسة الاجتماعية، مما ترك أجندة بايدن راكدة لأشهر قبل إقرار قانون خفض التضخم الأكثر تواضعاً. وانهارت أرقام استطلاعات الرأي الخاصة به، وفاز المرشحون الديمقراطيون الذين فازوا في الانتخابات النصفية من خلال النأي بأنفسهم عن الرئيس. ولكن لأن الديمقراطيين حققوا نتائج أفضل في الانتخابات النصفية مقارنةً بما يفعله حزب الرئيس الحالي عادة، فسر بايدن ومساعدوه انتخابات 2022 على أنها علامة أخرى على أن بايدن كان رئيساً تاريخياً.
اختار الترشح لإعادة انتخابه، على الرغم من أن استطلاعات الرأي أظهرت أن غالبية الناخبين شعروا بأنه كبير السن. وبينما استمر الأميركيون في التعبير عن إحباطهم العميق من حالة الاقتصاد، تباهى بايدن بفضائل «اقتصاد بايدن» (بايدنوميكس) في خطاباته في جميع أنحاء البلاد. وحتى بعد أداء متواضع في مناظرة رئاسية ضد ترامب، واصل بايدن الإصرار على أنه رئيس وزعيم عالمي لا غنى عنه، وانسحب فقط بعد أن سحب كبار قادة الحزب دعمَهم، سراً وعلناً. كانت السنوات الأربع الماضية تجسيداً لجو بايدن، كما في أيام مجلس الشيوخ، حيث تنقل الرجل بين كونه أكثر اعتدالاً وأكثر تقدمية، وأكثر وأقل تصالحية مع الجمهوريين. ألقى بعض الخطابات الرائعة كما ألقى أخرى مخيبة، واتخذ بعض القرارات البارعة وأخرى كارثية. ما لم يتغير هو أن بايدن كان دائماً يرى نفسه رجلاً مدعواً ليكون في مركز الحدث، وصانع التاريخ.
كانت رئاسة بايدن أشياء كثيرة: استمراراً للاستقطاب الحزبي العميق في أميركا، تحولاً بعيداً عن السياسات الاقتصادية النيوليبرالية، انتعاشاً اقتصادياً قوياً للغاية من جائحة «كوفيد-19»، والأهم، مجرد فترة قصيرة بين فترتين لدونالد ترامب. وفي الجوهر، كانت إدارة بايدن تدور حول جو بايدن نفسه، واعتقاده المركزي بأنه يستحق أن يكون رئيساً.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
بيري بيكون جونيور*


