لقد سبق لأميركا أن أنشأت وزارة تعليم فيدرالية ثم ألغتها. حدث ذلك بعد الحرب الأهلية مباشرة، ولم يكن الأمر سهلاً، وكان الجدل السام الذي أحاط به يبدو مألوفاً اليوم.

وُلدت هذه التجربة القصيرة عام 1867 خلال رئاسة «الديمقراطي» الجنوبي «أندرو جونسون»، وكانت مدفوعة بمصلحتين؛ الطموح الأكاديمي لصياغة المدارس الأميركية كمؤسسات عالمية المستوى، وحماسة دعاة إلغاء العبودية لتحقيق المساواة. لكنها واجهت صراعات حادة حول نطاقها، وميزانيتها، ومهمتها، وتوظيفها. وكانت كلمة «يانكي» تتكرر كثيراً في النقاشات، ولم يكن استخدامها لطيفاً. كُتبت افتتاحية متشككة على صدر صحيفة «مجلس جروف ديموقراط» في كانساس عام 1866: «الرئيس والكونجرس لديهما ما يكفي من العمل دون أن يتدخلوا في إدارة المدارس». لكن هذه المحاولة، والتي جاءت في حقبة ما بعد الحرب الأهلية لتوسيع التعليم وإدارته لجميع الأميركيين، كان مصيرها الفشل، بسبب الصراع الثقافي الدائم الذي لا تزال الولايات المتحدة غير قادرة على التخلص منه.

واليوم، يمكن أن نسميه صراع الولايات الحمراء (الجمهورية) والولايات الزرقاء (الديمقراطية). كانت الأمة التي توحدت حديثاً بحاجة إلى «فرض التعليم دون تمييز على أساس اللون»، كما قال النائب الجمهوري الراديكالي «إغناطيوس دونيلي» (من مينيسوتا)، عندما طرح فكرة إنشاء وزارة تعليم في عام 1866 أمام اللجنة المشتركة لإعادة الإعمار، وفقاً لكتاب «حياة هنري بارنارد».

كانت هذه الفكرة تتردد في الأوساط التعليمية لبعض الوقت، حيث كان المفكران المؤثران «هوراس مان» و«هنري بارنارد» يقودان نقاشاً وطنياً حول تدخل الحكومة الفيدرالية في التعليم. في ذلك الوقت، كان التعليم بالكامل في يد الولايات بفضل التعديل العاشر للدستور، الذي حدد حقوق الحكومة الفيدرالية والولايات. وجاء في مقدمة قرار دونيلي، الذي أقره مجلس النواب بأغلبية كبيرة، أن وزارة التعليم كانت ضرورية للاعتبارين التاليين: · «المصالح الجمهورية لا تجد أماناً دائماً إلا على أساس الذكاء العام للشعب».

و«الكوارث العظيمة التي عانت منها الأمة ودمّرت نصف أراضيها تعود معظم أسبابها إلى غياب المدارس العامة والتعليم العام بين سكان الولايات التي تمردت مؤخراً». وكان دونيلي يؤمن بأن جعل التعليم متاحاً وموحداً في جميع أنحاء أميركا سيؤدي إلى «جعل كل رجل يصوت كشخص ذكي، ومفكر، ومتأمل». أما من لم يكونوا ضمن النخب الشمالية المؤيدة لإلغاء العبودية، فقد رفضوا الفكرة باعتبارها مجرد هراء، وتدخلاً من الشماليين، واستيلاءً جديداً للحكومة الفيدرالية على السلطة خلال عصر إعادة الإعمار.

«ستخضع المدارس في البلاد لسيطرة الحكومة العامة»، هكذا جاء في افتتاحية صحيفة «مجلس جروف ديموقراط». أما صحيفة «أوجوستا كرونيكل» فقد عبّرت في عام 1867 عن عدم الثقة في الكتب والمعلمين القادمين من الشمال، قائلةً: «يجب أن يحظى أي فرع من فروع الأدب بقدر أكبر من التدقيق من قبل شعبنا، أكثر من الكتب التعليمية الأولى التي تُوضع في أيدي أطفالنا». وأضافت الصحيفة أنه «يتعين على الآباء الجنوبيين أن يكونوا يقظين، لئلا تتلقى عقول أطفالنا انطباعات كاذبة ومدمرة من تعاليم الكارهين للجنوبيين من البيوريتانيين الذين يصنعون الكتب بهدف إفساد الرأي العام من خلال بث عقائدهم الخاصة عبر قاعات الدراسة».وسط هذا الجدل الوطني، قدم النائب جيمس جارفيلد (جمهوري من أوهايو)، وهو جنرال سابق في جيش الاتحاد ورئيس مستقبلي، مشروع قانون لإنشاء الوزارة. كان جارفيلد مهتماً بالتعليم، وهو الذي انتشله من الفقر، كما عمل مدرساً ومديراً لمعهد «ويسترن ريزيرف إكليكتك»، الذي تحول إلى جامعة «هيرام» في عام 1867. لكنه كان مدفوعاً كذلك بالوضع التعليمي المتردي في الجنوب، مما جعله يطالب بجعل التعليم جزءاً من إعادة الإعمار. وبعد 15 عاماً أظهر خطابُه الافتتاحي كرئيس للبلاد مدى أهمية هذا الأمر بالنسبة له، حيث قال في 4 مارس 1881 أمام حشد هائل في مبنى الكابيتول: «بالنسبة للشمال والجنوب على حد سواء، هناك علاج واحد فقط، يجب أن تُسخر له كل قوة دستورية للأمة والولايات، وكل الجهود التطوعية للشعب، لمواجهة هذا الخطر من خلال التأثير القوي للتعليم الشامل». بدأ هذا السعي في عام 1866 بمشروع قانون بميزانية قدرها 4000 دولار فقط (ما يعادل 85000 دولار اليوم)، مع أربعة موظفين فقط. كان من المفترض أن يقوم المكتب بما يلي: «لغرض جمع مثل هذه الإحصائيات والحقائق التي من شأنها أن تظهر حالة التعليم في مختلف الولايات والأقاليم، ونشر مثل هذه المعلومات فيما يتعلق بتنظيم وإدارة المدارس والأنظمة المدرسية وطرق التدريس التي من شأنها أن تساعد شعب الولايات المتحدة في إنشاء وصيانة أنظمة مدرسية فعالة، وتعزيز قضية التعليم في جميع أنحاء البلاد».

وكان جزء من هذا الجهد يشمل مراقبة تقدم مكتب فريدمان، الذي أنشأه الكونجرس عام 1865 لتقديم المساعدات الطبية والسكنية والقانونية والتعليمية للمحررين من العبودية. تم تعيين «هنري بارنارد» كأول مفوض، لكنه واجه لامبالاة شديدة من الكونجرس، حيث قوبل تقريره الأول في 2 يونيو 1868 بتجاهل تام. كان برنارد يريد زيارة الولايات التي لا توجد بها مدارس عامة، ومواصلة تحقيقاته، وتوظيف كاتب آخر للمساعدة في تحمل عبء العمل وبعض المال لدفع نفقات سفره ونشره، والتي كان يدفعها من جيبه الخاص، وفقاً لسيرته الذاتية. وفي نهاية المطاف، قرر الكونجرس إلغاء وزارة التعليم في عام 1869، وتحويلها إلى «مكتب التعليم» داخل وزارة الداخلية، مع تخفيض راتب بارنارد.

استقال بارنارد عام 1870، واستمر المكتب في العمل لسنوات عديدة وسط معارك مستمرة حول المدارس، والفصل العنصري، والفساد، والانتهاكات في المدارس الداخلية للأطفال الأميركيين الأصليين. تقول سيرته الذاتية: «لم يلق التقرير، الذي قدم في 2 يونيو، أي استقبال إيجابي». وفي النهاية، قام الرئيس جيمي كارتر بإعادة إنشاء وزارة التعليم في عام 1980، بهدف إدارة المساعدات المالية الفيدرالية، وجمع البيانات والأبحاث، وضمان الوصول المتكافئ إلى التعليم. والآن، يقول الرئيس دونالد ترامب إنه سيقوم بحلها مجدداً.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»

بيتولا دفوراك*

* كاتبة في صحيفة «واشنطن بوست»