يشهد السودان واحدة من أكثر لحظات تاريخه تعقيداً، حيث تتداخل فيه الأزمات الداخلية على حساب استقرار الدولة وسلامة الإنسان. لم يكن السودان يوماً بمنأى عن الاستقطاب، لكن ما تشهده البلاد اليوم من فوضى سياسية واقتصادية وأمنية يعيد إلى الأذهان مشاهد من انهيارات دولية سابقة كانت فيها السياسات قصيرة النظر سبباً في تفكك الأوطان. ومتى غابت الدولة الوطنية، حضرت البدائل الهجينة. وفي تسعينيات القرن الماضي، لم يكن انتقال قيادات منتمية إلى تيارات الإسلام السياسي إلى الخرطوم مجرد عبور، بل كان تجسيداً لانفتاح السودان على مشاريع الإسلام السياسي العابر للحدود، الذي استثمر في هشاشة المؤسسات الأمنية والإدارية لبناء بنية لوجستية وتنظيمية سمحت له بتحويل البلاد إلى ساحة تدريب وتخطيط وتواصل.
وبعد سنوات، أعادت جماعة «الإخوان» التموضع في السودان، خاصة بعد 2013، حين تحولت البلاد إلى ملاذ للهاربين من الملاحقات في مصر، واستغل التنظيم المناخ الداخلي لإعادة تشكيل شبكاته بغطاء دعوي وخيري وأكاديمي، مستفيداً من فراغ السلطة وتناقض مراكز القرار. ومع كل موجة من الفوضى، كانت الجغرافيا السودانية تدفع ثمناً مضاعفاً. فحين تعذّر إنتاج مشروع وطني موحّد، انفصل جنوب السودان عن شماله عام 2011، لا نتيجة استفتاء سياسي فقط، بل نتيجة إخفاق في بناء دولة تتسع للتنوع ولا تحتكم للانتماء الأيديولوجي. واليوم تتكرر ذات المؤشرات في دارفور وجنوب كردفان وشرق السودان، حيث تتصاعد الأصوات الانفصالية وتُختزل الهوية في الجهة أو القبيلة أو السلاح.
كل ذلك يحصل وسط غياب لرؤية وطنية شاملة، وافتقار لأي عقد اجتماعي جديد يُنهي ثقافة التغالب، ويضع حداً لنزعة الإقصاء المتبادل، وتلك نزعة لا تحرص على أمن السودان ولا تضمن استقراره، حتى لو كان الثمن مزيداً من الدماء والانهيارات. وهناك من يتعامل مع السودان باعتباره امتداداً لصراعات أخرى في ليبيا أو إثيوبيا أو القرن الأفريقي، في محاولة لتثبيت نفوذ أو تحجيم نفوذ آخر، دون اعتبار لمصير الإنسان السوداني أو وحدة ترابه.
في خضم هذا الانكشاف، برزت دولة الإمارات العربية المتحدة كقوة إقليمية عقلانية وإنسانية تتعامل مع السودان بمنطق الدعم لا الاستغلال، وبروح الأخوة لا المنافسة. فقد قدمت الإمارات أكثر من 3.5 مليار دولار كمساعدات إنسانية على مدى العقد الأخير، كان آخرها ما يزيد على 600 مليون دولار منذ اندلاع الأزمة الأخيرة، بما في ذلك 200 مليون تعهّدت بها خلال مؤتمر أديس أبابا في فبراير الماضي، وسيرت أكثر من 160 طائرة وسفينة إغاثية محمّلة بالغذاء والدواء، وشيّدت مستشفيات ميدانية في تشاد وجنوب السودان لخدمة اللاجئين السودانيين.
ولم تكتف الإمارات بذلك، بل دعمت كل مبادرة دولية جادة لوقف إطلاق النار، مؤكدة مراراً على ضرورة الحوار السوداني – السوداني، ورفض أي تدخل يُقصي طرفاً لصالح آخر. الموقف الإماراتي لا يقوم على شعار، بل على رؤية استراتيجية ترى في استقرار السودان استثماراً في أمن المنطقة ومستقبلها. إن السودان لا يحتاج اليوم إلى شعارات لا تُثمر غير التصعيد، بل هو في حاجة إلى صوت عقل ورُشد، يترفّع عن الانتماء الأيديولوجي، ويبحث في الأمن والعيش والكرامة. وإن التاريخ، حين يُكتب بمداد الضمير، سيذكر أن هناك من قدّم للسودان، دون أن ينتظر جزاء، وشارك، دون أن يفرض، وساند، دون أن يساوم.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة.


