في مدينة نوك، عاصمة جزيرة غرينلاند، يلقي الاهتمام الجيوسياسي المستجد بظلاله الواضحة على حركة الحياة في كل مكان، لاسيما بعد الإعلان عن أولى الرحلات الجوية المباشرة إليها من الولايات المتحدة.
من الممشى الخشبي المحيط بالطرف الغربي المُتعرّج لنوك، يطالع الزائر صفاء ضوء الشمال وغروب الشمس وقد أخذت أشعتها تنحسر عن مياه المضيق البلورية وعن عروق الجرانيت التي تجعل الجبالَ تبدو كعجينة البسكويت، فيشعر أمام كل هذه الأشياء، كما لو أنها اجتمعت في اتساعها لتثير حماسَه بجمالها.
ولعل ما يدهشه أكثر هو الصمت العميق الذي يخيّم على المكان، ثقيلاً وكثيفاً. المدينة أخذت تشهد في الآونة الأخيرة طفرةً عمرانيةً ملحوظةً، تُنتج مساكن، ونشأت عنها الحاجة إلى بناء مطار جديد أصبح قيد الاستخدام. منذ أن أعاد الرئيس الأميركي دونالد ترامب إحياءَ نيته في ضم غرينلاند إلى الولايات المتحدة، أصبحت هذه الجزيرة محور نقاشات جيوسياسية عالمية، مع تدفق مستمر من الصحفيين والسياسيين الذين يهبطون على أرضها لرؤية الحياة فيها على أرض الواقع. ومن المؤكد أن الأمورَ ستزداد صخباً في الأيام القليلة المقبلة، عندما تصبح «يونايتد إيرلاينز» أول شركة طيران أميركية تطلق رحلات مباشرة من الولايات المتحدة إلى نوك، ضمن قائمة وجهاتها السياحية الجديدة.
الأمور تتغير بسرعة في غرينلاند، فعلاوة على المطار الجديد الذي سهّل السفر إلى الجزيرة، هناك محطة ركاب كبيرة أصبحت تتيح الوصول إلى العاصمة حيث يعيش ما يزيد قليلاً عن ثلث سكان البلاد البالغ عددهم 57 ألف نسمة.
ورغم ذلك لا تزال نوك تتمتع بطابعها الريفي البسيط، حيث تفرض الطبيعة نفسها بقوة لا تقل عن هيمنة التحديث وسطوته، خاصة في الجزء القديم من المدينة، حيث تعكس كنيسة «مخلصنا» الخشبية الحمراء (بُنيت عام 1849)، وتمثال المبشر النرويجي هانز إيجيدي على قمة التل، وتمثال «أم البحر» الذي يُصوّر آلهة الإنويت، ومتحف غرينلاند الوطني الرائع.. الماضي السحيق لهذه الجزيرة التي تصارعت عليها عدة دول قبل أن تصبح في الأخير منطقة ذات حكم ذاتي ضمن مملكة الدنمارك، وتطالب الولايات المتحدة حالياً بنوع من السيادة عليها.
(الصورة من خدمة «نيويورك تايمز»)


