يشير نقاد الاشتراكية الذين نشروا أعمالاً فكرية حولها إلى أن قادتها يميلون إلى النزعة الشمولية التي تجعلهم ذوي طروحات ديماغوجية وجاهزين لقطع الوعود للجماهير كما تشاء وتحب أن تسمع لكي تتم السيطرة عليها، وهو منهج تمارسه الحركات المتطرفة كالنازية والفاشية وجماعة «الإخوان»، فما أن يتم الوصول إلى السلطة السياسية يتم الشروع في قمع جميع المعارضين لهم بالعنف بما في ذلك التصفيات الجسدية والنفي والتهجير القسري والتهميش، ولا يتيحون مجالاً لوجود أسئلة حول عدم صحة القرارات المتخذة أو حول عدم الوفاء بالوعود المقطوعة.

وفي مثل تلك الأوضاع المتردية، لا يصبح الأفراد عاجزين فقط عن الفعل ورد الفعل، ولكن يصبح كامل المجتمع يعاني من العجز نفسه. وما يمكن توقعه جراء ذلك، هو أنه حتى لو رغبت الشعوب المشاركة في مسؤولية إدارة أوطانها، فهي لن تستطيع في ظل الاشتراكية.

والتجارب التي تدل على قسوة الاشتراكية تجاه الشعوب العربية التي طبقت في أوساطها، عديدة وليس من المستحب تسمية دول بعينها، لكن المهم هو الإشارة إلى أن التجارب الفاشلة لم تقدم ما هو مفيد ونافع للدول التي ظهرت فيها على طريق التنمية الاقتصادية والاجتماعية. والنتيجة التي تم استخلاصها هي أنه ما أن يتم إدخال التجربة إلى أي مجتمع عربي حتى يصبح الخلاص منها صعباً جداً إلا من خلال انتفاضة شعبية أو انقلاب يطيح بالنظام الحاكم الذي أدخلها.

لقد دلّت التجارب العربية الماضية بأن الدول التي حاولت أن تطور لذاتها تجارب خاصة بها وتشق طريقها باستقلالية، حتى وإنْ كان ذلك ضمن المسار العام للتجربة القائمة لم تتمكن من ذلك، فقد كان الأمر بمثابة خروج عن الهدف الاستراتيجي لبناء عالم عربي اشتراكي كما كانوا يصرحون. كانت الشعارات المرفوعة تقول بأنه من حق الأقطار العربية ذات النهج الاشتراكي اختيار طريقها الخاص، لكن ما كان حاصلاً هو العكس بحيث إن المبدأ الذي ساد هو أن الدول الأكثر تمكناً أخذت في انتقاد ومهاجمة الدول الأخرى إعلامياً بقسوة شديدة إذا ما حاولت أن تشق طريقها بأساليبها الخاصة بحثاً عن مصالحها الوطنية.

كان ذلك يتم تحت شعارات رنّانة ظاهرياً تنادي بنصرة الاشتراكية والوحدة العربية والعمل من أجلهما، لكنها خاوية في محتواها الحقيقي ومضللة للعرب وتكشفت حقيقتها عندما أقدمت دولة جارة على غزو جيرانها دونما أخلاق أو وازع من ضمير. لتلك الأسباب والتجارب القاسية التي مر بها العالم العربي نحن كنّا ولا زلنا نعارض تطبيق أية نماذج فكرية مستوردة في دول العالم العربي وننظر إلى أية نزعة أو انزلاق نحو هذا الاتجاه بأنه محاولة انتحار وطني.

نحن نعتقد بأن الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية يجب أن تصاغ ضمن سياقها العربي الخاص بالعرب، وتراثهم من الناحية الأخلاقية، وهذا لا يعني فقط إقامة النظم السياسية والاقتصادية والاجتماعية وخلق الثروة، ولكن يكون جميع هذه المعطيات أمانة في يد من يتولون السلطة وشؤون إدارة وتسيير المقدرات الوطنية التي يجب أن يتم استخدامها ضمن الحدود الحميدة لأخلاق الفرد والأداء الاجتماعي القويم. وللحدث صلة.

*كاتب إماراتي