من سنغافورة التي يزورها، قال الرئيس ماكرون: «إذا تخلى الغرب عن غزة وترك إسرائيل تفعل ما تريد، فإنه سيخاطر بفقدان كل مصداقيته مع بقية العالم». كانت هذه رسالة موجهة إلى دول الجنوب العالمي، التي تنتقد الغرب الذي يبدي صرامة شديدة في احترام القانون الدولي، عندما يتعلق الأمر بالأزمة الأوكرانية، ولكنه لا يحرك ساكناً عندما يتعلق الأمر باحتلال الأراضي بالقوة في فلسطين، والقصف الإسرائيلي المكثّف للمدنيين.
وهذا الانتقاد لـ«ازدواجية معايير» الغرب بات يتكرر بشكل مؤلم ومزعج. والواقع أن تصريح الرئيس الفرنسي بهذا الشأن متأخر ومرحب به في آن واحد. فهو مرحب به لأنه لا يسعنا إلا أن نتفق مع ما أشار إليه إيمانويل ماكرون، إذ تعيب العديد من دول الجنوب على الغرب استخدامه معايير مزدوجة.
والحق أنها ملاحظة في محلها وضرورية، ولاسيما في وقت ما فتئت تكتسب فيه دول الجنوب أهمية دبلوماسية متزايدة -دول البريكس وغيرها- وتتهم الغرب بالنفاق بسبب طرحه مبادئ عالمية يطبّقها بشكل انتقائي. ولكنها من ناحية أخرى ملاحظة متأخرة، لأن العديد من المراقبين نبّهوا منذ فترة طويلة جداً إلى أن الغرب، وفرنسا بشكل خاص، يفقد مصداقيته الأخلاقية، حين يسمح لإسرائيل بفعل ما يحلو لها في القضية الفلسطينية.
غير أن هذه التنبيهات والتحذيرات كانت تصدر عن محللين ومعلّقين، فهذا ليس دور رئيس الجمهورية. ذلك أن الرئيس لاعب مهم ومركزي في الحياة الدبلوماسية. كما أنه رئيس دولة دائمة العضوية في مجلس الأمن تريد أن تكون لها دبلوماسية على نطاق عالمي، ولطالما كانت نشطة بخصوص القضية الفلسطينية، باسم حق الشعوب في تقرير مصيرها، وباسم المبادئ التي تدافع عنها فرنسا والتي أكسبتها شعبية كبيرة.
بيد أن فرنسا باتت اليوم أقل نشاطاً بخصوص هذه القضية مما كانت عليه عندما كان الجنوب أقل قوة. وحين كانت فرنسا نشطة للغاية -في عهد ديغول أو ميتران أو شيراك- عزّز ذلك صورتها ومكانتها بفضل وضوحها وشجاعتها في التحدث بشكل مختلف عن شركائها الغربيين. ولكن، ماذا عن الآن؟ هذا الشهر سيُعقد مؤتمر كبير حول الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، من المحتمل أن تعترف خلاله فرنسا بفلسطين.
وإذا حدث ذلك بالفعل، فستصبح فرنسا الدولة الثامنة والأربعين بعد المئة التي تفعل ذلك. غير أنها هنا أيضاً، لن تكون في مقدمة الدول التي تعترف بفلسطين، ذلك أن اسبانيا هي التي تحوز هذه المكانة داخل المعسكر الغربي والاتحاد الأوروبي. إلا أن إسبانيا لا تتمتع بالمكانة الدولية والوزن الدبلوماسي اللذين تتمتع بهما فرنسا، التي لطالما اضطلعت بدور حيوي على الساحة العالمية.
وفي الأثناء، تعرضت فرنسا للإهانة من قبل وزير الدفاع الإسرائيلي الذي علّق على الرغبة الفرنسية في الاعتراف بفلسطين بالقول: «إذا كانوا سيعترفون بدولة فلسطينية على الورق، فإننا هنا سنبني دولة إسرائيل اليهودية على الأرض»، والحال أن دولة إسرائيل ستزدهر على أنقاض الشعب الفلسطيني، وعلى أنقاض التطهير العرقي الشامل، ثم إنه من المشكوك فيه أن يسمح مثل هذا الوضع حقاً على المدى البعيد بازدهار دولة إسرائيل، على الأقل في نظر العالم.
واللافت أنه من غير الطبيعي على الإطلاق أن تسمح فرنسا لوزير إسرائيلي بإهانتها بهذه الطريقة من دون أن تردّ عليه، فلو أن مسؤولاً من بلد آخر سمح لنفسه بالإدلاء بتصريح من هذا النوع، لردت عليه فرنسا بطريقة أكثر حزماً.في كل مرة، تتكرر المعضلة ذاتها وتكون الغلبة للخوف من الرد على إسرائيل، تحاشياً لتهمة معاداة السامية، التي يتم التلويح بها بشكل شبه منهجي، عندما يتم انتقاد الحكومة الإسرائيلية. لا بل إن هذا الوزير الإسرائيلي ذهب إلى حد القول إن الرئيس ماكرون يدعم «حماس» وأن العيد الوطني الفرنسي يمكن أن يصبح الآن هو 7 أكتوبر.
قد يبدو كل هذا مبالغاً فيه، غير أن هناك ما هو أفضل من ذلك في ردود الفعل على إعلان فرنسا استعدادها للاعتراف بالدولة الفلسطينية: فقد اقترح سفير الولايات المتحدة لدى إسرائيل أن تتنازل فرنسا عن جزء من منطقة «الريفيرا» الفرنسية لإقامة دولة فلسطينية فيها.
لقد باتت الريفيرا تثير اهتمام دونالد ترامب وسفيره في إسرائيل الآن. ولكن لنا أن نتخيل هنا لو أن دبلوماسياً فرنسياً أدلى بمثل هذا التصريح عن الرئيس دونالد ترامب، لكان مصيره الطرد. وهكذا نلاحظ أن باريس بدأت تتخذ، وإنْ على استحياء، مواقف أكثر شجاعة بخصوص الوضع في فلسطين.
*مدير معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس.


