تواصل دولة الإمارات بذل الجهود، وإطلاق المبادرات والمشاريع البيئية، انطلاقاً من موروث وثقافة أصيلة، أرسَت لها الحكومة تشريعات ونُظماً للعمل بها ونشر الوعي بأهميتها، إذا تحرص الدولة على اتخاذ التدابير كافة، للبناء على هذا الإرث الغني، وتحويله إلى منظومة عمل حكومي هدفها التفاعل الإيجابي مع البيئة.ومناسبة الحديث هنا، هو استكمال «هيئة البيئة- أبوظبي» مسحاً جويّاً ضمن برنامجها لرصد وتقييم الأنواع البحرية في الإمارة، قام بتغطية أكثر من 8 آلاف كيلومتر مربع من الموائل البحرية، أجراه فريق من باحثي الهيئة، عبر الأحياء البحرية وتوزيعها الجغرافي وأنماط حركتها وهجرتها الموسمية، باستخدام أفضل الممارسات العالمية المتبعة في هذا المجال.
وتُعَدُّ المسوحات أداة منهجية فعّالة لرصد الأنواع البحرية، ومراقبة التغيُّرات البيئية المحيطة بها، ومراقبة الأنشطة البشرية التي تؤثِّر عليها، ما يمكِّن من اتخاذ الإجراءات والتدابير الملائمة لحماية البيئة البحرية، والتنوُّع البيولوجي فيها.
وقد أظهرت نتائج هذا المسح الجوي ازدهار الحياة البحرية في الإمارة، حيث ارتفعت أعداد «أبقار البحر» التي قُدِّر عددها بأكثر من 3500 في عام 2024، بنحو 20%، وتعزِّز هذه النتائج ريادة أبوظبي كثاني أكبر موطن لـ«أبقار البحر» في العالم بعد أستراليا، ما يؤكِّد نجاح التدابير التي اتخذتها هيئة البيئة - أبوظبي لحماية هذا النوع المهدَّد بالانقراض، ومنها حظر استخدام شباك صيد الأسماك في مياه الإمارة لتجنُّب الصيد العرضي لها.
كما كشف المسح ارتفاع أعداد «السلاحف البحرية» في مياه الإمارة، ليبلغ نحو 8 آلاف في عام 2024، ما يشكل زيادة بنسبة 30% مقارنة بالمسوحات التي تمت خلال السنوات العشر السابقة، وهو ما يعكس أيضاً نجاح إجراءات الحفاظ على مواقع تعشيشها، والإدارة الفعّالة للمناطق البحرية المحمية في الإمارة.
وقال أحمد الهاشمي، المدير التنفيذي لقطاع التنوُّع البيولوجي البري والبحري في هيئة البيئة - أبوظبي: «إن نتائج هذا المسح تعكس جهودنا والتزامنا بتسخير إمكانات التكنولوجيا الحديثة لتعزيز صدارة أبوظبي في الحفاظ على البيئة، حيث تشكِّل زيادة أعداد «أبقار البحر»، وارتفاع أعداد «السلاحف البحرية»، دليلاً ملموساً على نجاح استراتيجيتنا القائمة على العلم، ما يجعلنا نفخر بهذا التقدُّم، ونواصل مسيرتنا لحماية إرثنا الطبيعي».
وتُعتبر الهيئة الجهة الوحيدة في الشرق الأوسط التي تنفِّذ عمليات مراقبة طويلة الأمد للأنواع البحرية على فترات منتظمة؛ إذ بدأت بإجراء هذه المسوحات الجوية الشاملة منذ عام 2004، ما يتماشى مع رؤية الإمارة، ويعزِّز قاعدة بياناتها لدعم استراتيجيات الحفاظ على البيئة، وضمان الإدارة المُثلى للموارد البحرية.
وتعمل هيئة البيئة - أبوظبي، منذ انطلاقها عام 1996 على إطلاق المبادرات البيئية المتخصصة التي لا يقتصر تركيزها على إمارة أبوظبي فحسب، بل يمتد نشاطها البيئي إلى المستويين الإقليمي والدولي، عبر عديد من المشاريع والمبادرات، منها على سبيل المثال لا الحصر مبادرة «تحالف القرم من أجل المناخ»، الرامية إلى دعم وتعزيز وتوسيع مساحات غابات القرم عالميّاً كأحد الحلول البيئية القائمة على الطبيعة. وتجدر الإشارة هنا إلى إحراز الإمارات قصب السبق في حماية أشجار القرم (المانغروف)، عبر التوسع المطَّرد في زراعتها محلياً، في رؤية ترمي إلى زراعة 100 مليون شجرة بحلول عام 2030، إذ تسهم غابات القرم في حماية سواحل الدولة، وتوفر موائل طبيعية للتنوع البيولوجي للأسماك، وتعمل أيضاً كأحواض طبيعية تلتقط آلاف الأطنان من ثاني أكسيد الكربون.
إن المحافظة على البيئة، وحماية الموارد الطبيعية جزء لا يتجزأ من تراث وثقافة دولة الإمارات، وتعمل الدولة على اتخاذ التدابير كافة للبناء على هذا الإرث الغني، وتحويله إلى منظومات عمل للتفاعل الإيجابي مع البيئة والاستفادة منها دون الإضرار بها، من خلال تشريعات ومبادرات ترتكز على مبادئ علمية وعملية، وتأتي الدراسات والمسوحات الميدانية العلمية والبيئية، أداة فعالة أساسية للقياس والمتابعة العملية، التي تتيح إمكانية اتخاذ القرار، والإجراءات البيئية والتوعوية اللازمة. 

*صادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.