الذكاء الاصطناعي لن يقضي على وظيفتك، ولكن مهاراتك قد تفعل ذلك إن لم تطورها، فمع تولي الآلات المهام الروتينية سيكون المستقبل لأولئك القادرين على التكيف والتطور، إذ لا يكمن التحدي الحقيقي في فقدان الوظائف، بل في مواكبة المهارات التي تغير سوق العمل.
ويُعيد الذكاء الاصطناعي تشكيل المشهد الوظيفي في مختلف القطاعات، إذ تُعد الوظائف الإدارية واليدوية الروتينية من بين الأكثر عرضةً للأتمتة. وفي الوقت نفسه يخلق الذكاء الاصطناعي طلباً متزايداً على وظائف جديدة مثل محلِّلي البيانات، ومدربي الذكاء الاصطناعي، وخبراء الأمن السيبراني، ومنسقي التشغيل الآلي.
وتُدرك دولة الإمارات هذا الواقع جيداً، فمن خلال طموحها إلى أن تصبح ثانية أكثر الدول تقدماً في مجال الذكاء الاصطناعي عالمياً، أطلقت أكثر الاستراتيجيات شمولاً في هذا المجال، وبدءاً من «الاستراتيجية الوطنية للذكاء الاصطناعي 2031» إلى تعيين أول وزير دولة للذكاء الاصطناعي في العالم، تضع دولة الإمارات الذكاء الاصطناعي في صميم رؤيتها المستقبلية.
ولكن لا يمكن لأي استراتيجية للذكاء الاصطناعي أن تنجح من دون الاستثمار في العنصر البشري، فإعادة التأهيل تعني تعلم مهارات جديدة كلياً للانتقال إلى وظائف جديدة، بينما يعني تطوير المهارات تحسين القدرات الحالية للبقاء في دائرة المنافسة، فعلى سبيل المثال يمكن لموظف خدمة العملاء أن يعيد تأهيل نفسه للعمل في الدعم الرقمي، أو أن يطور مدير المشروعات مهاراته ليتقن أدوات تحليل بيانات آنية لصنع القرار تعتمد على الذكاء الاصطناعي.
والمبادرات المحلية والبرامج الجامعية المتخصصة جميعها تسهم في إعداد الكوادر الوطنية لوظائف المستقبل، كما تتوافر دورات جامعية، أو تنفيذية، عبر الإنترنت، تقدم محتوى عاليَ الجودة، وتمنح شهادات معتمدة، وتتميز بالمرونة لتناسب جداول الموظفين العاملين، ما يجعل خيار تطوير المهارات أكثر سهولة.
والأهم أن إدارات الموارد البشرية في العديد من المؤسسات داخل دولة الإمارات بدأت تتبنى توجهات أكثر مرونة، إذ توفر الدعمَين المالي واللوجستي للبرامج التدريبية والتطويرية في مجالات الذكاء الاصطناعي، وتدرك أن الاستثمار في مهارات الموظف هو استثمار في مستقبل المؤسسة نفسها.
إن طموح الإمارات إلى التحول الرقمي والريادة في الذكاء الاصطناعي يعتمد على ثروتها البشرية. ومع وجود أنظمة دعم مناسبة، وثقافة تعلم مستمرة، وتعاون فاعل بين القطاعين العام والخاص، يمكن للكوادر أن تواكب، بل تشكل، مستقبل التكنولوجيا.
ولن تختفي الوظائف في عصر الذكاء الاصطناعي، بل ستتطور، وسيكون المستقبل ملكاً لمن يتعلم ويقود ويستعد، ودولة الإمارات مصمِّمة على أن تقود هذا التحول. ولكن الأهم أن هذه الرحلة نحو تطوير الذات يجب ألَّا تنتظر توجيهات إدارات الموارد البشرية، بل أن تنبع من قناعة شخصية، فالمبادرة الذاتية هي ما يميز القادة في زمن التحول.
*أستاذ دكتور وعميد البحوث في الجامعة البريطانية بدبي.


