قبل أربعين عاماً، هزّ ضمير العالم مشاهد الأطفال الهزال والرضّع الذين يموتون جوعاً في أحضان أمهاتهم. كانت هناك زيادة كبيرة في المساعدات الدولية، وعمليات إنزال جوي للغذاء، ونشاط من أشهر فناني العالم. وبفضل وسائل الإعلام وفعاليات مثل «لايف إيد»، لم نستطع أن نحيد بنظرنا عن الجوعى في إثيوبيا.
والآن، بعد جيل كامل، يجب على أصحاب الضمائر الحية أن يوقفوا المجاعة في غزة. لا يوجد عذر يجعل العالم يقف مكتوف الأيدي، ويشاهد معاناة مليوني إنسان، وهم على حافة مجاعة شاملة. هذه ليست كارثة طبيعية سببها الجفاف أو فشل المحاصيل. إنها أزمة من صنع البشر، ولها حلول من صنع البشر يمكن أن تنقذ الأرواح اليوم. الكارثة الغذائية في غزة سببها بالكامل رجال الحرب على جانبي معبر إيرز: من قتلواالمدنيين الإسرائيليين في 7 أكتوبر 2023، وأيضاً من قتلوا عشرات الآلاف من المدنيين الفلسطينيين خلال 21 شهراً بعدها.
لقد تجاوزنا مرحلة إلقاء اللوم، وتحديد الطرف الأكثر ذنباً. لم يعد لدينا الوقت للجدل حول من يعيق دخول شاحنات الغذاء. الإنسان الجائع يحتاج طعاماً اليوم، لا غداً. بصفتهم قوة احتلال، يتحمل الإسرائيليون مسؤولية توفير الحد الأدنى من سبل عيش المدنيين في غزة. قد يرى بعضهم هذا غير عادل، لكنه قانون دولي.
وفي هذا الإطار، وضعت «مؤسسة غزة الإنسانية» - وهي مجموعة إغاثة مدعومة من إسرائيل - خطة جديدة لتوزيع الطعام من خلال عدد قليل من المراكز، ما اضطر الناس الجائعين إلى السير مسافات طويلة وتعريض حياتهم للخطر. وقد حذّرت المنظمات الإنسانية الدولية حينها من أن هذه الخطة ستكون خطرة وغير فعالة. وقد ثبت للأسف صحة تلك التحذيرات. حان وقت البدء من جديد. الغذاء لا يمكنه الوصول إلى غزة بالسرعة الكافية الآن. صرح برنامج الأغذية العالمي، بقيادة مديرته التنفيذية الأميركية سيندي ماكين، الأسبوع الماضي إن ثلث سكان غزة لم يتناولوا الطعام لأيام متتالية عدة.
الأطفال الصغار يموتون جوعاً بأعداد متزايدة بسرعة. تعمل منظمة «وورلد سنترال كيتشن» - وهي مجموعة إغاثة دولية قمت بتأسيسها - مع شركائنا في غزة لطهي عشرات الآلاف من الوجبات يومياً.
وقد استأنفنا مؤخراً طهي كمية محدودة من الوجبات الساخنة بعد توقف دام خمسة أيام بسبب نقص المكونات. كانت هذه المرة الثانية هذا العام التي أُجبرنا فيها على التوقف عن الطهي بسبب نقص الطعام. فرقنا على الأرض ملتزمة وصامدة، لكن قدرتنا اليومية على مواصلة العمليات تبقى غير مؤكدة.
منذ بداية الحرب، أعددنا ووزعنا أكثر من 133 مليون وجبة في جميع أنحاء غزة، من خلال مطابخ ميدانية كبيرة وشبكة من المطابخ المجتمعية الصغيرة. كما قدمنا آلاف الوجبات للعائلات الإسرائيلية المهجرة، بما في ذلك الشهر الماضي عندما تعرضت مدن وبلدات إسرائيلية لهجمات صاروخية مكثفة من إيران.
لكن هذه هي الحقيقة التي شهدناها على الأرض: قبل الحصار الإسرائيلي على المساعدات الإنسانية الذي بدأ في مارس، نادراً ما كانت قوافلنا تشهد عنفاً أو نهباً. أما بعد رفع الحصار، فتدهور الوضع بشكل كبير، وانتشرت أعمال النهب والفوضى. من النادر الآن أن تصل الشاحنات إلى مطابخنا أو مطابخ منظمات الإغاثة الأخرى دون أن تُنهب. وكثيراً ما يتعرض السائقون وعمال المطابخ لهجمات من جماعات مسلحة غير معروفة. الحصار الذي كان من المفترض أن يضغط على ما تبقى من «حماس» عجّل من الحرمان الجماعي وانهيار المجتمع في غزة. اقتراحنا هو تغيير طريقة إطعام الناس، وتأمين التوزيع، والتوسع بسرعة.
أولاً، نحن بحاجة ملحة إلى فتح ممرات إنسانية تكون متاحة لجميع منظمات الإغاثة العاملة في غزة، لضمان وصول الغذاء والماء والدواء بأمان وبكميات كافية. ثانياً، يجب أن نزيد بشكل كبير من إنتاج الوجبات الساخنة. بخلاف المواد الغذائية السائبة، لا تُباع الوجبات الساخنة إلا بسعر زهيد للعصابات المنظمة.
ثالثاً، علينا أن نطعم الناس حيثما كانوا، يجب أن نوصل الوجبات إلى الأماكن التي يحتمي فيها الفلسطينيون، بدلاً من مطالبتهم بالانتقال إلى مراكز توزيع محددة، حيث غالباً ما تندلع أعمال عنف.
رابعاً، نريد إعداد مليون وجبة يومياً، لا عشرات الآلاف. ونقدر أن هذا يتطلب خمس منشآت طهي كبيرة في مناطق آمنة، حيث يمكن تسليم المواد الغذائية السائبة وتحضيرها وتوزيعها دون خطر العنف. ستزود هذه المطابخ الكبرى بمئات المطابخ المجتمعية الصغيرة على مستوى الأحياء في جميع أنحاء غزة، ما يمنح المجتمعات دوراً أساسياً وشراكة حقيقية. هذا الاقتراح يعتمد على تأمين الغذاء والمعدات والمركبات، لكنه وحده لن يكون كافياً. نريد أن تتمكن جميع منظمات الإغاثة العاملة في غزة من العمل بحرية، كلٌ بطريقته الخاصة.
خوسيه أندريس*
*رئيس ومؤسس منظمة وورلد سنترال كيتشين.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


