إحدى العقبات التي تعيق فهمنا للعالم هي هوسنا بالتفكير الرياضي: مَن الفائز ومَن يلحق به؟ ولطالما كان هذا الأمر صحيحاً في السياسة، حيث نركز بجنون على سباق البيت الأبيض، بينما نتجاهل جبل الديون الذي قد يؤدي إلى انهيار النظام بأكمله. وأصبح هذا النمط ينطبق أيضاً على عالم الأعمال، إذ نميل للنظر إلى السباق نحو المركز الأول دون التفكير بعمق في معنى تصدّر هذا القطاع أو ذاك.
ومن خلال هذا المنظور الرياضي، تبدو خريطة الابتكار واضحةً وبسيطةً: الولايات المتحدة لا تزال متقدمةً بفارق كبير، فهي المسؤولة عن جميع التقنيات الرائدة تقريباً، أي التقنيات التي تُميز عصرَنا الحالي مثل الذكاء الاصطناعي، والهواتف الذكية، والشبكات الاجتماعية.. إلخ، تماماً كما كانت مسؤولة عن ابتكارات الحقبة الماضية مثل أجهزة الكمبيوتر، وشبكة الإنترنت، وأشباه الموصلات.. إلخ. ثلاث من أهم شركات الذكاء الاصطناعي في العالم، هي «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«داتا بريكس»، تتخذ مقراتها في منطقة لا تتجاوز مساحتها ميلين في سان فرانسيسكو. وتتمتع شركة «إنفيديا» بهيمنة مطلقة على سوق الرقائق المتطورة.لكن الصين تلاحق الولايات المتحدة عن قرب، بل تتفوق عليها في بعض المجالات، مثل أنظمة المراقبة والصواريخ فرط الصوتية. وماذا عن أوروبا؟ إن القيمة الإجمالية لجميع شركات التكنولوجيا في القارة أقل بكثير من قيمة شركة أميركية واحدة فقط، وهي شركة مايكروسوفت.
وماذا يحدث لو تجاوزنا هذا التشبيه الرياضي؟
يقدم كتابٌ جديد لـ «مهران جول»، من المنتدى الاقتصادي العالمي، بعنوان «الجغرافيا الجديدة للابتكار»، رؤيةً أكثر ثراءً وتعقيداً. فهناك في الواقع العديد من سباقات الابتكار المختلفة، لكل منها خط نهاية مختلف ومعايير مختلفة للنجاح. قد تكون الولايات المتحدة متفوقة في الابتكار الرائد في القطاع الخاص، لكن ماذا عن الابتكار التدريجي في القطاع العام؟ إذا قمنا بتغيير معايير التقييم، فسنحصل على نتائج مختلفة. وإذا ركزنا على نشر الأفكار الجديدة بدلاً من ابتكارها، فربما تتفوق الصين على الولايات المتحدة بفارق كبير. تمتلك الصين ضعفَ عدد أميال السكك الحديدية فائقة السرعة مقارنةً بالولايات المتحدة. وقد باعت شركة «بي واي دي» حوالي 607 آلاف سيارة كهربائية في الربع الثاني من هذا العام، مقابل 384 ألف سيارة فقط لشركة تسلا. وتبيع شركة «دي جي آي» الصينية للطائرات المسيّرة أكثر من كل منافسيها مجتمعين.
لكن الصين تأخذ الأفكارَ الموجودةَ في المختبرات وتُدخلها حيز التنفيذ التجاري قبل أي أحد آخر. ففي بكين وشنغهاي، تجوب مئاتُ سيارات الأجرة ذاتية القيادة الشوارعَ. وتُعد شركات عملاقة مثل «علي بابا» و«بايدو» بمثابة آلات متكاملة للابتكار والتنفيذ. فإذا كانت أميركا لا تزال تقود العالم في اختراع المستقبل، فإن الصين تقوده في تجسيد ذلك المستقبل على أرض الواقع.
لكن بالنظر إلى القطاع العام بدلاً من القطاع الخاص، فسيظهر بطل جديد للابتكار: سنغافورة. معظم الدول تعتبر نفسها ناجحة في إصلاح الحكومات إذا تمكنت من رقمنة بعض الوظائف الإدارية. لكن حكومة سنغافورة لا تكتفي بإجراء كل تعاملاتها مع مواطنيها عبر الإنترنت، بل تذهب لأبعد من ذلك بكثير. فهي تستخدم أجهزة استشعار في الشوارع لتنظيم حركة المرور، وطائرات مسيّرة لمراقبة المناطق المتضررة جراء تفشي بعض الأمراض، وأجهزة استشعار للحركة في الإسكان العام لمراقبة رفاهية كبار السن.
وتضم الحكومة جهازاً يُعرف باسم «مجموعة الأمة الذكية والحكومة الرقمية» (SNDGG)، يجذب ألمع العقول في البلاد، ويعتبر نفسَه نظيراً حكومياً لشركة مثل «جوجل». وإذا كانت معظم الدول تتعاقد مع القطاع الخاص لعمليات التكنولوجيا الفائقة، فإن سنغافورة تحتفظ بها داخل الحكومة لتطوير قدرات فريدة، وإذا كانت معظم الحكومات تحاول اللحاق بالركب، فإن SNDGG يعمل كمحدد للوتيرة.
يميل الأميركيون المنشغلون بالقطاع الخاص إلى اعتبار نجاح سنغافورة في الحكومة مجرد هامش صغير من سباق الابتكار الكبير.
ويقدم «جول» بعضَ الأفكار حول أوروبا التي يُنظر إليها بشكل متزايد على أنها متأخرة، فألمانيا تتفوق فيما يمكن تسميته «الابتكار العميق» أو «الابتكار التدريجي»، حيث تكمن القوة الألمانية في الشركات متوسطة الحجم التي تُنتج منتجات متخصصة للغاية، وتركّز كل طاقاتها على أن تكون الأفضل في العالم، وبصفة خاصة على التميز الهندسي. وعلى سبيل المثال، تُعد شركة «هيرينكنشت إيه جي» أفضل شركة حفر أنفاق في العالم، لكنها لا تحظى إلا بجزء ضئيل من الاهتمام الذي تحظى به شركة «إيلون ماسك»، التي تحمل اسم «شركة الحفر» (ذا بورينج كومباني).
أما سويسرا فتجمع بين حماس مماثل للشركات المتوسطة وبين عبقرية في تنفيذ المشاريع العامة الكبرى، مثل نظام السكك الحديدية السويسري الذي يُعد بحق من عجائب العالم.
والحجة الكلاسيكية لصالح النموذج الأوروبي هي أنه أكثر استدامة من النموذج الأميركي، فهو يعطي أولويةً لأشياء مثل الاستدامة وجودة الحياة، وليس فقط لمكاسب بالمليارات.
هذه القضايا تثير القلق حتى لدى صُنّاع التكنولوجيا في الولايات المتحدة أنفسهم؛ ذلك أن آلة الابتكار الأميركية ركزت كثيراً على الأمور غير الجوهرية، مثل تطبيقات التوصيل، وأهملت الأفكارَ الكبيرة التي من شأنها أن تُحوّل المجتمع.
مشكلة النموذج الأوروبي – الحضارة أولاً – ليست أنه خاطئ من حيث الفكرة، بل إن فشل أوروبا في إنشاء شركات عالمية تجسد هذه القيم يجعلها تبدو غير ذات صلة على الساحة الدولية.
ولا شك في أن «جول» محق حين يقول إننا بحاجة إلى تقييم الابتكار استناداً إلى معايير متعددة، وليس فقط إلى رأس المال السوقي. لكن في بعض الأحيان، يجب أن يُنظر إليك على أنك «فائز» في السوق العالمية حتى يكون لك تأثير حقيقي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»
أدريان وولدريدج*
*كاتب متخصص في الأعمال العالمية


