في خضم التقلّبات الكبرى التي يشهدها الشرق الأوسط في عام 2025، تبرز ملامح مشهد جديد يتشكّل على أنقاض التحالفات القديمة والصراعات المتآكلة. فما عادت خريطة المنطقة تُرسم من ذات المراكز التقليدية، ولا اللاعبون أنفسهم يحتفظون بذات النفوذ، بل أطلّت قوى جديدة برؤية مغايرة، وعقلانية سياسية، وأدوات بناء فعّالة، تتقدمهم دول الخليج العربي، وفي طليعتها الإمارات والسعودية، كأقطاب استقرار تُعيد صياغة التوازنات بعيداً عن صخب المواجهات وصراعات المحاور.
وأمضت المنطقة سنين طويلة رهينة لثلاث قوى إقليمية نافذة: إيران، تركيا، وإسرائيل. لكن هذه القوى، التي اعتادت التمدد عبر الصدامات المباشرة، وجدت نفسها فجأة أمام واقع مُربك: استنزاف متواصل، تراجع الحلفاء، وتحوّل المزاج الإقليمي والدولي عنها. في المقابل، نهضت عواصم الخليج بمشروع متماسك هادئ، لا يرفع شعارات ولا يخوض مغامرات، بل يراكم البناء، ويستثمر في الإنسان، ويتقدّم بثقة نحو ريادة جديدة في المنطقة.
ولم يكن هذا الصعود وليد ظرف طارئ، بل نتاج رؤية بعيدة المدى، أعادت تعريف مفهوم الأمن القومي، وربطت الاستقرار بالمصالح المشتركة، لا بالتحالفات العسكرية وحدها. سلكت الإمارات والسعودية طريقاً ثالثاً بين الشرق والغرب، وفتحت قنواتها مع الصين والهند وروسيا، دون أن تدير ظهرها لواشنطن، فامتلكت بذلك هامشاً واسعاً للحركة، وقدرة على المبادرة في ملفات كانت حكراً على الآخرين.
وفي حين تعاني بعض الدول العربية من اختلالات عميقة، وتعيش سوريا والعراق أزمات حكم مزمنة، ويسير لبنان في مرحلة انتقالية دقيقة، يحاول فيها إعادة بناء الدولة وسط تحديات اقتصادية وسياسية خانقة، تواصل دول الخليج تعزيز نموذجها القائم على الاستقرار الداخلي، والتنمية الشاملة، وإعادة تعريف دور الدولة من سلطة فوقية إلى حاضنة للفرص والمستقبل. وقد بدا جلياً هذا التحوّل من خلال الحضور الخليجي المتزايد في ملفات النزاع: في اليمن، انتقلت السعودية من قيادة المواجهة إلى رعاية التهدئة، وفي السودان، لعبت الوساطة الخليجية دوراً محورياً في محاولة وقف النزيف، وفي سوريا، تبنّت الرياض وأبوظبي نهج العودة إلى الحضن العربي، دون تسرّع ولا مزايدات.
وعلى المستوى الاقتصادي، فرضت دول الخليج نفسها كأرقام صعبة في معادلات الطاقة، والتكنولوجيا، والأسواق المالية العالمية. فباتت الاستثمارات الخليجية فاعلاً دولياً يملك أدوات التأثير لا في المنطقة فحسب، بل في قرارات كبرى تتجاوز الجغرافيا العربية. ولم تعُد دول الخليج مجرد مصدر للنفط، بل مراكز ابتكار، وعقد لوجستي عالمي، ومنصات جذب للمواهب، وصناديق سيادية تنافس نظراءها في العواصم الكبرى.
أما داخلياً، فقد تجلّى الفارق بين من يغرق في الأزمات، ومن يبني لمستقبل مستقر. فبينما تنهار مؤسسات في دول شقيقة، تُحدث الإمارات والسعودية نقلة نوعية في التعليم، وتمكين المرأة، وتطوير الاقتصاد، وترسيخ ثقافة الإنتاج والريادة. وهذا ما جعلها نموذجاً بديلاً عن الفوضى، لا مجرد استثناء مؤقت. وفي المقابل، لا تزال بعض القوى في الإقليم تعيد إنتاج ذات السياسات التي قادت المنطقة إلى الفوضى لعقود. فإسرائيل، التي تخوض منذ أشهر مواجهة مفتوحة مع إيران وحلفائها، تتجه نحو خيار أكثر خطورة في قطاع غزة، يتمثل في العودة إلى الاحتلال المباشر وفرض «إدارة أمنية دائمة» على أرض يسكنها أكثر من مليوني فلسطيني. هذه الخطوة، التي تمثل انقلاباً على كل ما تبقى من «حل الدولتين»، ليست مجرد رد عسكري، بل إعلان بانتهاء مرحلة كاملة من إدارة الصراع الفلسطيني–الإسرائيلي، وبداية عهد جديد من التوترات المتفجرة، والفوضى المستدامة. وبينما تسعى دول الخليج إلى تقليل منسوب التصعيد، وبناء أرضيات للاستقرار والتنمية، تمضي إسرائيل في طريق يعمّق الجراح، ويعزز الانقسام، ويهدد بإشعال الساحة مجدداً في أكثر لحظاتها هشاشة.
ليس هذا الصعود الخليجي سهلاً، ولا يخلو من تحديات وضغوط. لكنه يؤسس لتحوّل طويل المدى، يحفظ توازن المنطقة، ويمنح شعوبها أملاً في أن يكون الاستقرار والتنمية ممكنَين، بعيداً عن شعارات التجييش، أو مشاريع الدمار المُغلّفة بالمقاومة. فالمرحلة المقبلة ليست لمن يرفع الصوت أكثر، بل لمن يملك الرؤية، ويصنع الفارق على الأرض. لقد تغيّرت قواعد اللعبة، ولم تعد تدار من حيث اعتدنا، بل من حيث يُحسن التخطيط والبناء. ودول الخليج اليوم، ليست مجرد طرف في المعادلة.. بل مركزها الجديد.
*لواء ركن طيار متقاعد


