في شهر أغسطس من كل عام نحتفي بالمرأة الإماراتية، في احتفاءٍ بقصة نجاح فريدة سطرتها أيادي المرأة التي آمنت بذاتها، واندمج ذلك الإيمان مع رؤية قيادتنا الحكيمة، التي منحتها الفرصة لتثبت للعالم أن المرأة ليست في المرتبة الثانية في تراتبية النوع البشري، بل شريكة حقيقية تقف كتفاً بكتف مع الرجل في بناء الحضارة، وصناعة المستقبل.
واليوم نقف لنستحضر تلك المسيرة التي وضعت أولى خطواتها سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، «أم الإمارات» - حفظها الله - الداعمة الأولى لمسيرة المرأة الإماراتية، والتي جعلت منها نموذجاً عالمياً في المشاركة الفاعلة والإنجاز في صياغة حاضر الوطن، ورسم ملامح مستقبله.
وجاء احتفال المرأة هذا العام تحت شعار «يداً بيد نحتفي بالخمسين»، وهو ليس مجرد عبارة عابرة، إذ يعكس جوهر الفلسفة التنموية للمرأة الإماراتية، فلسفة أُسِّسَت على المشاركة الفاعلة والحقيقية، والإيمان العميق بالشراكة العادلة بين المرأة والرجل، وبين الأجيال المتزامنة، من أجل تمكين المرأة بمعناه الواسع، الذي يقوم على إثراء المجتمع بخبراتها وقدراتها، وتعزيز أدوارها المؤثرة في مسيرة التنمية بجميع فروعها.
ومع بداية الخمسين عاماً المقبلة في مسيرة المرأة الإماراتية آن الأوان للانتقال من مرحلة التمكين إلى مرحلة الريادة العالمية، فقد أثبتت التجربة الإماراتية، بما لا يدع مجالاً للشك، أن المرأة قادرة على تولي أصعب المهمات، وأرفع المناصب، وقيادة العمل والمبادرات، وتحويل الأحلام واقعاً ملموساً ومؤثراً في مسيرة المجتمع. واليوم حان دورها لتكون نموذجاً ريادياً على مستوى العالم، لا في منطقتنا فحسب. غير أن هذه الريادة تفرض علينا مضاعفة الطاقة والشغف للانتقال من مفهوم «التمثيل المشرف» للمرأة في مختلف المجالات إلى مفهوم «التمثيل التشاركي» في صياغة التوجهات الكبرى، ووضع الاستراتيجيات الأساسية، والمشاركة الفاعلة في إنتاج المعرفة، وفتح مسارات الابتكار، والإسهام في تشكيل بنية المستقبل على نحو متكافئ، لا على أساس تمثيل نوعي فحسب.
إن الطريق إلى الريادة ليست سهلة ولا معبَّدة، بل تحتاج إلى مقومات تعزز المسيرة، وتبدأ أولاً بالتعليم النوعي الذي ينبغي أن نوجِّه المرأة نحوه. تعليم يشمل المهارات العليا في العلوم والتقنية والهندسة والذكاء الاصطناعي، ليتيح للمرأة الإماراتية التعمق في الصناعات المتقدمة بصورة أشمل وأكثر كثافة مما هي عليه اليوم. ومن خلال ذلك تكتسب القدرة على تحويل المعرفة منتجاتٍ وخدماتٍ تسهمان في تطور البشرية. ولا يتحقق هذا إلا عبر منظومة تعليمية تعزز هذه المهارات، وتفتح أمام المرأة آفاقاً واسعة للانخراط الإيجابي في مسيرة التطور التكنولوجي والابتكار والذكاء الاصطناعي.
ولا تكتمل ريادة المرأة الإماراتية عالميّاً من دون قوة ناعمة تصوغها الثقافة والفنون والدبلوماسية، فحضورها في المجالات الإبداعية والحقول الإنسانية، وفي العلاقات الثقافية العابرة للثقافات، يمنح دولة الإمارات، خاصةً المرأة، الصورة الذهنية الإنسانية العالمية التي تعزز تلك الريادة المعرفية والعلمية والابتكارية، وتكملها.
وينبغي ألا يقتصر الاحتفال بيوم المرأة الإماراتية على استرجاع الذكريات، أو الماضي، بل يجب أن يكون رؤية متجددة وتطلعاً نحو المستقبل، لتبقى مسيرة دولة الإمارات بلا سقف لطموحاتها نحو الريادة العالمية في مختلف المجالات. وتظل المرأة شريكاً أساسياً في صياغة مستقبل الوطن، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة - حفظه الله - الذي خاطب المرأة الإماراتية، قائلاً: «أنتن الإشراقة على وجه الوطن الذي تباركت بكنَّ مسيرته، وبشارة تقدمه، ذخرنا في أوقات العطاء، وحظنا في لحظات التفوق. دوركن أساس، وطموحكن سماء».

د. شما بنت محمد بن خالد آل نهيان*
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.