نظراً للضجيج اليومي في الولايات المتحدة الأميركية حول إلغاء مزارع الرياح، وتراجع الإعفاءات الضريبية والقواعد البيئية، قد يظن البعض أن الطاقة النظيفة في طريقها إلى الزوال. لكن في الواقع، ووفقاً لمقياس واحد على الأقل، فهي أكثر صحةً من أي وقت مضى.

فقد بلغ الاستثمار العالمي في مصادر الطاقة المتجددة 386.5 مليار دولار في النصف الأول من عام 2025، وبحسب بيانات «بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس»، خدمة بحثية استراتيجية حول أسواق السلع العالمية وتقنيات الطاقة النظيفة وتوقعات السيارات الكهربائية، كان هو أفضل نصف عام على الإطلاق. وجاء ذلك رغم تراجع الاستثمارات الأميركية بنسبة 36%، مقارنة بالنصف الثاني من 2024، حين سارع المستثمرون للاستفادة من آخر فرصة للحوافز الضريبية في قانون خفض التضخم، قبل أن يلغي الرئيس دونالد ترامب بعودته للبيت الأبيض تلك الامتيازات.

ولا يهدد هجوم على التكنولوجيا الناشئة في مجالات الطاقة المتجددة، في وقت يتزايد فيه الطلب على الكهرباء، بارتفاع فواتير الأميركيين، بل يمنح الصين، الخصم الجيوسياسي، مفاتيح مستقبل الطاقة. فمع الرسوم الأميركية الباهظة، تدفقت الألواح الشمسية الصينية إلى أسواق جديدة في أفريقيا، حيث ارتفعت وارداتها 60% خلال عام واحد، وفق مركز أبحاث الطاقة «إمبر».

وكما دأبت منذ أكثر من عقد، ظلت البر الرئيسي للصين المساهم الأكبر في طفرة الطاقة النظيفة عالمياً، باستثمار بلغ 169 مليار دولار في النصف الأول من العام 2024، لكنه تراجع قليلاً عن النصف الثاني، حين أغلق المطورون مشاريعهم بسبب تغييرات في سياسة سوق الطاقة ببكين. لكن القصة اللافتة هنا ربما تكون في الاتحاد الأوروبي، حيث قفز الاستثمار بنسبة 63% ليصل إلى نحو 76 مليار دولار، أي ضعف الرقم الأميركي البالغ 37 ملياراً فقط. وبذلك تبادل الاتحاد وأميركا المراكز كثاني أكبر وجهة لرؤوس الأموال الخضراء بعد الصين، وهو ما يدعم الفرضية بأن المستثمرين والمطورين يعيدون توجيه أموالهم من أميركا إلى أوروبا، حسبما يرى المحللون. وقد أعلنت شركات كبرى مثل «توتال إنرجي»، شركة النفط الفرنسية الكبرى ذات محفظة طاقة الرياح الكبيرة، و«آر دبليو إي»، شركة الطاقة الألمانية العملاقة، أنهما تعيدان توازن خططهما في طاقة الرياح البحرية نحو بحر الشمال بعيداً عن السوق الأميركية. بمعنى آخر، لم تنهزم الثورة الخضراء في ظل التحديات الأميركية، بل ببساطة غيرت وجهتها، تاركة الولايات المتحدة خلف الركب. وحتى الاستثمارات في طاقة الرياح، التي يهاجمها ترامب بشراسة، ووصفها هذا الأسبوع بأنها تدمر البلاد، ارتفعت بنسبة 8% في النصف الأول لتصل إلى 126 مليار دولار.

إلا أن الرابح الأكبر من عملية التحول يظل الطاقة الشمسية التي صعدت استثماراتها إلى 252 ملياراً، رغم التحديات في الصين والبرازيل وغيرها بسبب أسعار الكهرباء السالبة ومشاكل فائض الإنتاج. ومن الجوانب الإيجابية في الطاقة النظيفة، بجانب الحفاظ على بيئة صالحة للعيش، أنها عادةً ما تكون أرخص وأسرع في التركيب من أشكال الطاقة الأخرى.

ويحقق الاستثمار في هذه المصادر عائداً أكبر مقابل المال، لا سيما عند احتساب تريليونات الدولارات من الأضرار الناجمة عن حرق الوقود الأحفوري. وحتى معارضة ترامب للطاقة المتجددة لا تستطيع التغلب على هذه الميزة الاقتصادية. ويُفسر ذلك سبب توقعات إدارة معلومات الطاقة الأميركية بأن تُمثل الطاقة الشمسية وتخزين البطاريات 80% من تطوير الطاقة على نطاق المرافق في الولايات المتحدة في النصف الثاني من العام الجاري. ورغم أن تكلفة بناء طاقة الرياح ارتفعت، إلا أن بناء توربينات الغاز الطبيعي ازداد تكلفة وصعوبة، مع فترات انتظار طويلة لسنوات للحصول على الإمدادات.

والجدير بالذكر أن 12% من طاقة المرافق الجديدة في الولايات المتحدة ستأتي من الرياح في النصف الثاني من عام 2025، مقارنة ب 7% للغاز. عرقلة التحول إلى الطاقة النظيفة أمر مثير للقلق في وقت ينبغي فيه على جميع الدول التعاون بحماس لتحقيق نفس الهدف، لاسيما وأن العالم يوشك أن يتجاوز عتبة الحد من الاحتباس الحراري العالمي إلى 1.5 درجة مئوية فوق متوسطات ما قبل الثورة الصناعية وتجنب المزيد من الآثار الكارثية لتغير المناخ.

وتشير تقديرات «بلومبيرغ نيو إنرجي فاينانس»، إلى أن الوصول إلى صفر انبعاثات كربونية بحلول عام 2050، يتطلب استثمار أكثر من 7 تريليونات دولار سنوياً على الصعيد العالمي في عملية التحول في مجال الطاقة، بما يشمل جانبي العرض والطلب، ورغم أن الإستثمارات العالمية بلغت 2.1 تريليون دولار العام الماضي، وهو رقم قياسي، وأفضل من استثمار الوقود الأحفوري البالغ 1.2 تريليون دولار، إلا أنه لا يزال أقل بنحو 5 تريليونات دولار عن المستوى المطلوب. الخبر الجيد هو أن عملية التحول إلى الطاقة النظيفة تتمتع بزخم مستدام يجذب رأس المال باستمرار، مما يزيد من احتمالية التبني المتسارع، وذلك رغم الجهود الحثيثة التي يتم بذلها في الولايات المتحدة لعرقلة هذا المسار الأخضر.

*كاتب متخصص في قضايا المناخ.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنح آند سينديكيشن»