اعتادت شركات التكنولوجيا على تصميم أنظمة الحماية في خدماتها فقط بعد تضرر المستخدمين. ويشكل هذا نهجاً ثابتاً عند الأزمات، إذ تسير «أوبن إيه آي» على الدرب نفسه بعد أن رُفعت ضدها دعوى قضائيةً إثر وفاة فتى طلب من «شات جي بي تي» إرشادات لتنفيذ الانتحار.
وحضر الرئيس التنفيذي سام ألتمان جلسة استماع في الكونجرس بواشنطن الثلاثاء الماضي لمناقشة القضية، لكنه أعلن قبل ساعات من ذلك أن «شات جي بي تي» سيبدأ بتقدير أعمار المستخدمين وفرض قيود صارمة إذا بدا أن الشخص أصغر من 18 عاماً. وللمرة الأولى، بدا أن أحد عمالقة التكنولوجيا يتحلى بالمسؤولية.
وتُسهم إجراءات الحماية الجديدة التي وضعتها الشركة للمراهقين جزئياً في معالجة تكاليف الصحة النفسية لمنتجها. لكن التنفيذ هو الأساس. ويتوقع أن يكون تجاوز الحدود الجديدة صعباً على الأطفال، وإذا أصبحت أدوات الرقابة الأبوية الجديدة صعبة الاستخدام عند إطلاقها «نهاية سبتمبر الحالي»، فلن تكون جهود ألتمان أفضل من جهود شركتي «آبل» أو «جوجل» التابعة لشركة «ألفابت»، حيث يصعب استخدام لوحات الرقابة الأبوية على الكثيرين.
وأعلنت «أوبن إيه آي» الأربعاء الماضي أنها ستستخدم تقنيات لتقدير الأعمار استناداً إلى طريقة تفاعل المستخدمين مع «شات جي بي تي». وإذا كانت هناك تشككات، ستفترض أن المستخدم تحت 18 عاماً وتطلب منه بطاقة هوية، كما يحدث في متاجر الكحول. وأثار ذلك اعتراض بعض المدافعين عن الخصوصية، لكنه يظل إجراءً مهماً إذا منع طفلاً هشاً من السقوط في الخطر.
وفي حالات الخطر، سيرفض «شات جي بي تي» الاستجابة للتعليقات المسيئة واللاأخلاقية أو تقديم محتوى من هذا النوع، وتجنب التحدث عن الانتحار حتى لو قال المراهق، إنه يكتب قصة ويحتاج مساعدة في وصف التفاصيل، كما حدث مع المراهق آدم رين وفق الدعوى المرفوعة من والديه. وأكدت المحامية ميتالي جاين، التي تمثل الأسرة، أن أي إرشادات للانتحار يجب أن تُحذف تماماً من «شات جي بي تي»، حتى بالنسبة للبالغين.
وتقدمت الشركة بخطوة إلى الأمام عندما أعلنت أنها ستتيح قريباً أدوات جديدة تسمح للآباء بربط حساباتهم بحسابات أبنائهم عبر دعوة بالبريد الإلكتروني وفرض قيود إضافية. وسيتمكنون من تعطيل ميزة «الذاكرة» التي تُنشئ محادثات شخصية للغاية قد تؤدي إلى تعلق عاطفي مبالغ فيه بالبرنامج.
ويعني إعداد هذه الميزات أنه سيتم أيضاً إخطار الآباء إذا اكتشف «شات جي بي تي» أن ابنهم المراهق يعاني من محنة نفسية، وإذا تعذر الوصول إلى الآباء، سيتواصل البرنامج مع جهات إنفاذ القانون المحلية. وحول كيفية الوصول إلى هذا الحد، وهل سيحقق مشرفون بشريون من المحادثات، أو كيف سيتم تحديد السلطات المحلية، قالت متحدثة باسم الشركة، إنه سيتم الإعلان عن التفاصيل عند إطلاق أدوات الرقابة الأبوية في نهاية سبتمبر.
ويجب على ألتمان التأكد من أن أدوات الرقابة الأبوية سهلة وواضحة حتى للآباء غير المتمرسين بالتكنولوجيا، لأن ذلك لم يحدث مع الهواتف الذكية. وأظهرت دراسة في 2025 أجراها «معهد سلامة الأسرة على الإنترنت» أن نحو نصف الآباء فقط استخدموا أدوات الرقابة على الهواتف رغم معرفتهم بها، بسبب صعوبة الإعدادات وتعقيد الخطوات.
على سبيل المثال، واجه الكثيرون صعوبة في استخدام ميزة «وقت الشاشة» في هواتف آبل لأنها تخفي عناصر تحكم مهمة في قوائم إعدادات الهاتف باستخدام مصطلحات مُربكة. ويضيع العديد من الآباء والأمهات وسط الخيارات المختلفة، ولا يدركون كيفية ضبط قوائم الحظر بشكل صحيح لتكون فعالة، وقد تعرضت شركة آبل لانتقادات بسبب عدم تبسيطها العملية.
أما في هواتف أندرويد، من المعروف أن تطبيق «فاميلي لينك» من جوجل يُجبر الآباء والأمهات على القيام بخطوات متعددة معقدة عبر هواتف مختلفة، مثل تسجيل الخروج من حساباتهم على هواتف أطفالهم، وإنشاء حساب جديد، ثم محاولة ربط الأجهزة، وهي خطوات قد تفشل أحيانًا أو تنتهي صلاحيتها، وقد استسلم آباء وأمهات كثيرون بعد عدة محاولات.وتملك «أوبن إيه آي» فرصة لكسر حلقة التعقيد التي عانت بها أدوات الرقابة الأبوية في شركات التكنولوجيا الأخرى. وإذا أوفى ألتمان بتعهده، ستكون الأدوات سهلة وبديهية، بحيث يتمكن أي أب أو أم من استخدامها لحماية أبنائهم، لا أن يُطلب منهم أن يصبحوا خبراءً تقنيين. والخيار واضح: إما وعود فارغة جديدة، أو وضع معيار جديد لصناعة التكنولوجيا.
*كاتبة متخصصة في شؤون التكنولوجيا.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج أند سينديكيشن»


