العالم يتغير والقواعد الأساسية في العلاقات الدولية تتبدل وتنشأ قواعد جديدة، والرؤية الاستشرافية لما يجب أن تكون عليه الأوضاع أصبحت تميل لدول ترفض استمرارَ القيادة الأميركية للنظام الدولي والقائمة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. والتساؤل المطروح في مراكز الدراسات والبحوث حالياً هو: هل هذا التحول التدريجي الظاهر بوضوح هو محصلةُ أخطاء كارثية في نهج الولايات المتحدة الأميركية في التعاطي مع تطورات الساحة الدولية، وبالتالي فكل خطأ أميركي يقابله انتصارٌ مِن الدول المتحفزة لقيادة العالم؟ أم أن هذا التحول الدولي نتيجةٌ طبيعية لأحداث التاريخ الذي شهد بزوغ نجم إمبراطوريات، ثم أفولها لمصلحة إمبراطوريات أخرى؟
والإجابة في واقع الأمر هي مزيج بين الأمرين، وإن كانت الغلبة للأول، إذ إن الولايات المتحدة كانت لديها الفرصة لبسط نفوذها بأسلوب أفضل يؤدي إلى وأد مبكر لأي محاولة دولية تسعى للتأثير على دورها. والمحاولة التي نحن بصددها هنا تطورت لتصبح واقعين دوليين تتسابق دول لتدخل في إطارهما، وتربطهما رؤيةٌ مشتركة تمسك بخيوطهما دولة واحدة، وهي الصين التي تعمل على محورين رئيسين: الأول هو «منظمة شنغهاي للتعاون» التي تضم الآن 10 دولة وقد تأسست في عام 2001، والثاني هو مجموعة «بريكس» التي تضم هي أيضاً 10 دول، وقد تأسست في عام 2009. والقواسم المشتركة بين المنظمتين عديدة، ناهيك عن الدول المؤسِّسة والدول الأعضاء لاحقاً. فسبعة من أعضاء مجموعة بريكس هم أيضاً أعضاء في منظمة شنغهاي للتعاون، وعلى رأسها الصين وروسيا والهند.
أضف إلى ذلك، أن المنظمتين تركزان على التعاون في المجالات السياسية والاقتصادية والتعليمية والاجتماعية، بجانب مجالات أخرى أوسع تركز عليها منظمة شنغهاي للتعاون تضم التجارة، والتقنية، والبيئة، والنقل، والطاقة، والأمن. ونجد كذلك جانباً مشتركاً على قدر كبير من الأهمية، ألا وهو التعاون المالي من خلال «بنك التنمية» في منظمة شنغهاي للتعاون وبنك «بريكس» الذي يهدف إلى إنشاء نظام مالي متعدد الأقطاب من خلال نظام الدفع بين البنوك عبر الحدود وهو آلية تسوية الرنمينبي. واللاعب الرئيس هنا، خلف معظم مبادرات ومشاريع التعاون الاقتصادي تحت مظلة المنظمتين، هو دائماً الصين التي تحتل المركز الثاني عالمياً بين أكبر الاقتصادات بعد الولايات المتحدة مباشرةً.
إذن هناك بداية متماثلة لمحاولة قيادة العالم، ألا وهي الاقتصاد. فمن يمتلك زمام الاقتصاد العالمي يمتلك أوراقَ القوة السياسية والدبلوماسية. وقد بدأت الولايات المتحدة مسيرتَها في قيادة العالم قبل 8 عقود من خلال الاقتصاد وهيمنة الدولار، وتبع ذلك في المجال العسكري، ثم توجت مسيرتَها باندحار الاتحاد السوفييتي. وحالياً تتبع الصين نفسَ الخطى، لكن برؤية مختلفة تتجنب الأخطاءَ الأميركيةَ، وتلك هي تعدد الأقطاب في الاقتصاد والسياسة، مع تنامي القوة العسكرية بوضوح. فالصين تتعامل مع أعضاء منظمتي بريكس وشنغهاي للتعاون بمساواة وليس بمنطق الهيمنة الاقتصادية، وذلك لإيمانها بأن لكل دولة ثقل وأهمية لا يقلان عما للدول الأخرى. وقد يكون ذلك الباب الذي تدلف منه العديد من الدول إلى عالم متعدد الأقطاب، لكن متساوي الأهمية، وتلك رؤية مثالية لم يشهدها التاريخُ مِن قبل.. فهل تنجح؟!
*باحث إماراتي


