تعد خطة الرئيس دونالد ترامب للسلام في قطاع غزة، والتي تتألف من 20 بنداً، هي خطة ذكية لتحويل دمار الحرب إلى بداية لعملية سلام. فبدلاً من تركيز الجهود على الحرب المدمرة في غزة، تسعى هذه الخطة إلى وضع أسس جديدة لحل النزاع الإسرائيلي الفلسطيني، وإقامة علاقات طبيعية بين إسرائيل ولبنان وسوريا، وربما حتى العراق. وإذا نجحت، فقد تساهم في إحداث تغيير جذري في إيران.
ومع أن هذه الخطة قد تكون فريدة من نوعها من حيث إبداعها، إلا أنها تأتي في وقت غير مسبوق من الوحشية، مما يجعل نجاحها مستبعداً للغاية.
لو كانت هذه الخطة تهدف فقط لحل نزاع حدودي بين السويد والنرويج، لكان الأمر مختلفاً. لكنها تهدف لوقف أكثر عامين دموية ووحشية بين اليهود والفلسطينيين في تاريخ هذا الصراع. فعمليات القتل العشوائي التي ارتكبتها حركة حماس في 7 أكتوبر 2023، رد عليها الجيش الإسرائيلي بردود فعل انتقامية غالباً ما كانت عشوائية، حيث كانت قوات الجيش مستعدة يومياً لقتل وتشويه عشرات المدنيين الفلسطينيين والأطفال من أجل مقاتل واحد من «حماس»، مع تدمير قطاع غزة بالكامل، قد تكون قد حققت إسرائيل ما لم تحققه أي حرب إسرائيلية عربية سابقة: جعلت تحقيق السلام، وهو أمر ضروري، مستحيلاً.
خلال مسيرتي المهنية في تغطية هذا النزاع، لم أره قط مفككاً إلى هذا الحد، حيث يغمر كل طرف مشاعر عدم ثقة وكراهية تجاه الطرف الآخر أكثر من أي وقت مضى. إنّ جمع هذه الأطراف المتنازعة لتنفيذ هذه الخطة المعقدة لوقف إطلاق النار، والانسحاب الإسرائيلي التدريجي من غزة، وإطلاق سراح الأسرى الفلسطينيين، وإعادة إعمار القطاع تحت إشراف دولي، سيكون مهمة شاقة للغاية. سيتطلب ذلك حلاً يومياً لمعضلة دبلوماسية معقدة، بينما يسعى كل من يرفض هذه الصفقة إلى عرقلتها.
أشك في أن ترامب يقدّر مدى صعوبة هذه المهمة، وكم من الوقت ورأس المال السياسي اللازمين من جانبه، والضغط الذي سيتعين عليه أن يمارسه على كل من رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو وحماس وحلفاء أميركا العرب لإجبارهم على القيام بأمور لا يرغبون فيها، بل قد تكون خطرة عليهم سياسياً وأمنياً.
مع أن نتنياهو صرّح بأنه وافق على هذه الخطة، إلا أنني لن أصدق ذلك إلا عندما أسمعه يقولها بالعبرية أمام شعبه وحكومته. قاعدة فيريدمان الأولى في تغطية أحداث الشرق الأوسط: ما يقوله الناس في الخفاء لا أهمية له. المهم هو ما يصرحون به علناً أمام شعوبهم بلغتهم.
وبالنسبة لـ«حماس»، التي يختبئ معظم قادتها في ملجأ في الدوحة، قطر، ما زال يتعين عليها الموافقة، لكن طرق كثيرة يمكن لنتنياهو أو حماس من خلالها عرقلة هذه الخطة، لكنه، يعتقد أنها تستحق المحاولة، ويشيد بمن وضعوا هذه الخطة.
تنفيذ الخطة ضروري للغاية من عدة نواحٍ. أولاً، أي شخص لديه أدنى معرفة بالحرب وتطوراتها، يدرك أن إسرائيل والعرب والإيرانيين لا يستطيعون تحمل حرب أخرى. فانتشار الطائرات المسيّرة والروبوتات العسكرية والأسلحة الأخرى الأرخص والأكثر تطوراً، يمنح المزيد من الأطراف قوة أكبر وأسرع.
ولا حاجة لتذكير الإسرائيليين بأنه في 1 يونيو ضربت أكثر من 100 طائرة مسيّرة أوكرانية - تم تهريبها إلى روسيا - قواعد جوية عميقة داخل الأراضي الروسية، وألحقت أضراراً أو دمرت ما لا يقل عن 12 طائرة، بينها قاذفات استراتيجية بعيدة المدى. وأعتقد أن تكلفة هذه العملية العسكرية الجريئة لليوم الواحد تعادل جولة تسوق كبيرة في متجر «بست باي»، وكانت أقل بكثير من تكلفة طائرة مقاتلة من طراز إف-35 من إنتاج لوكهيد مارتن، والتي تبلغ قيمتها حوالي 80 مليون دولار، ضمن أسطول إسرائيل.
ثانياً، يمكن لنتنياهو أن يقول ما يشاء، كما فعل يوم الاثنين الماضي، من أن إسرائيل ستنهي الأمر بنفسها في غزة إذا لم تقبل حركة «حماس» بهذا الخطة، وهو ما أكد ترامب أنه سيدعمه، فإن الأمر أسهل قولاً منه تطبيقاً. فإذا حدث، سيكون لإسرائيل احتلال عسكري دائم لغزة، ما سيواجهها بانطلاق مقاومة مستمرة، وهو ما يعارضه حتى قيادة الجيش الإسرائيلي. لذلك، وبما أن ترامب قد طرح هذه الصفقة، فمن الصعب على نتنياهو أو «حماس» رفضها بشكل نهائي.
هذا يقودنا إلى السبب الأخير الذي يجعل هذا الاتفاق ضرورياً، حتى لو بدا مستحيلاً. فانتشار وسائل التواصل الاجتماعي، وخاصة تطبيق تيك توك، يعني أن مقاطع فيديو لضحايا مدنيين، ولكل جسد ممزق، يمكن بثها على هواتف جميع سكان العالم، لذا، كما تدرك إسرائيل، فإن السبيل الوحيد لهزيمة تنظيم مثل «حماس»، الذي يختبئ بين المدنيين، سيكون ثمنه أن تجعل نفسها منبوذة دولياً، وإجبار فرقها الرياضية وأساتذتها ونجومها على الابتعاد عن المجتمع الدولي.
يمكن لنتنياهو أن يعلن، ومعه بعض المبررات الحقيقية، أن إسرائيل تدافع عن القيم الديمقراطية الغربية عبر هزيمة «المتطرفين» ومن بينهم «حماس» في غزة. فحماس هي منظمة خطيرة - ولا شك أن أضرارها بالغة على الفلسطينيين. لكن اليوم، يمكن لأي مراهق على تطبيق «تيك توك» أن يرى أيضاً كيف أن نتنياهو والمتطرفين اليهود في إسرائيل يواصلون سياسة الاستعمار الاستيطاني الطراز في الضفة الغربية. وهي سياسة مستوحاة من النمط الغربي. لا أحد مخدوع -لا أحد إطلاقاً.
*صحفي وكاتب أميركي.
ينشر بترتيب خاص مع خدمة «نيويورك تايمز»


