وافقت الولايات المتحدة والمكسيك، مؤخراً، على خطة مشتركة جديدة للحد من تدفق الأسلحة، التي تغذي أعمال العنف التي تمارسها العصابات. وتهدف هذه الخطة التي تحمل اسم «مهمة الحماية الحدودية» (أو مهمة الجدار الناري)، إلى كبح عمليات تهريب الأسلحة عبر الحدود، من خلال توسيع نطاق استخدام نظام eTrace - وهو نظام رقمي يسمح للسلطات بتتبع مصدر الأسلحة، التي يتم ضبطها في أماكن الجرائم، في جميع ولايات المكسيك البالغ عددها 32 ولاية، بالإضافة إلى إدخال تقنية التصوير الباليستي في جميع أنحاء البلاد.

كما تهدف الخطة إلى تعزيز تبادل المعلومات الاستخبارية وتوسيع نطاق التحقيقات المشتركة. ومن جانبها، تعهّدت واشنطن بزيادة عمليات التفتيش على الحدود وتعزيز التعاون مع السلطات المكسيكية، لمحاولة وقف التدفق المتواصل للأسلحة من الشمال إلى الجنوب. وبالطبع فهذا خبر سار، فمكافحة تهريب الأسلحة خطوة لا غنى عنها لإضعاف المنظمات الإجرامية في المكسيك. إلا أن وراء هذا التفاؤل الرسمي، تكمن ازدواجية مناهضة في موقف الولايات المتحدة.

مهما أكد المسؤولون على أن مفتاح وقف تدفق البنادق الهجومية والمسدسات الأوتوماتيكية إلى المكسيك، يكمن في تحسين عمليات التتبع والنظم الرقمية والتعاون الثنائي، إلا أن هناك خطوة لم تتخذ بعد: إعادة فرض حظر بيع وحيازة الأسلحة الهجومية في الولايات المتحدة. لن يتوقف تدفق الأسلحة من الولايات المتحدة إلى المكسيك، والذي وصفه الصحفي إيوان جريللو بـ«نهر الحديد» المتدفق من أميركا إلى المكسيك، إلا عندما يجد الحزب الجمهوري الشجاعةَ لإعادة العمل بالحظر الفيدرالي على الأسلحة الهجومية، الذي كان سارياً من 1994 حتى 2004، قبل أن يُسمح له بالانتهاء.

وكانت النتائج فورية: ارتفعت معدلات القتل باستخدام الأسلحة النارية في المكسيك فور انتهاء سريان الحظر. وتشير تقديرات الحكومة المكسيكية إلى أن 200 ألف قطعة سلاح يتم تهريبها سنوياً عبر الحدود بين الولايات المتحدة والمكسيك. وما يزيد على 70% من الأسلحة المضبوطة في المكسيك مصدرها الولايات المتحدة، ومعظمها بنادق نصف آلية عالية الدقة، وهي السلاح المفضل لدى العصابات. ومنذ عام 2006، عندما أعلنت المكسيك «الحرب على المخدرات»، قُتل أكثر من 460 ألف شخص على أيدي العصابات.

وأظهرت دراسة أن في البلديات المكسيكية القريبة من الحدود مع الولايات المتحدة، ارتفعت معدلات القتل بنسبة تصل إلى 60% بعد انتهاء سريان حظر الأسلحة الهجومية. ويوجد أكثر من 100 متجر لبيع الأسلحة على طول 70 ميلاً من الطريق السريع 19 بين توسون ونوجاليس وحده. ومن يرغب في فهم مدى هذه الازدواجية، يكفيه فقط زيارة أحد متاجر بيع الأسلحة. في عام 2023، زرتُ أحدَ هذه المتاجر في فينيكس. وتفاخر صاحب المتجر، الذي يُدعى «دانجر» (وقد أطلعني على رخصة القيادة لإثبات ذلك)، قائلا إن محله هو «متجر آبل لبيع الأسلحة». ثم شرح لي، خطوةً بخطوة عمليةَ تجميع بندقية باريت عيار 50 داخل المتجر. ولو كانت لدي 12 ألف دولار، لكنتُ قد خرجتُ من المتجر حاملاً تلك البندقية.

وهذا السلاح بالتحديد استخدمته منظمات إجرامية مكسيكية لإسقاط مروحيات عسكرية. وكان متجر «دانجر» من بين المتاجر التي رفعت الحكومة المكسيكية دعوى قضائية ضدها -دون جدوى- للاشتباه بتورطه في تزويد العصابات المسلحة بالأسلحة. ومع حجم العنف الذي تسببت فيه عصابات المافيا، فإن مبادرات مثل «مهمة الجدار الناري» مرحب بها، حتى ولو كانت نتائجها محدودة. لكن ما لم تملك الولايات المتحدة الشجاعة السياسية لانتزاع الأسلحة من أيدي مواطنيها -وبالتالي من أيدي عصابات المافيا المكسيكية- فإن هذه المبادرات ستظل مجرد أنصاف حلول غير فعّالة في وقف نزف الدماء.

*صحفي مكسيكي

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست لايسنج آند سينديكيشن»