أول زيارة على الإطلاق لوزير الخارجية الأفغاني «أمير خان متقي» إلى الهند لإجراء محادثات مع القيادة الهندية إلى تغيير في سياسة الحكومة الهندية الراسخة تجاه حركة «طالبان». ورغم أن الهند لم تعترف رسمياً بحكومة «طالبان» إلا أن الزيارة والمحادثات أكدتا أن الهند باتت تقرّ بالأمر الواقع، أي أن «طالبان» هي السلطة الفعلية في أفغانستان في المستقبل المنظور، وأن من مصلحة الهند التواصل مع الحركة حتى لو تطلب ذلك تغييراً في سياستها السابقة. كانت الهند قد أغلقت سفارتها في كابول بعد عودة «طالبان» إلى السلطة عقب انسحاب قوات حلف الناتو بقيادة الولايات المتحدة عام 2021. إلا أنها، بعد وقت قصير من تغيير النظام، افتتحت بعثة فنية صغيرة تولت تنسيق المساعدات الإنسانية.

غير أنه وبعد زيارة «متقي»، وافقت الهند على رفع مستوى بعثتها الفنية إلى بعثة دبلوماسية في كابول. كما أعلنت «طالبان»، من جانبها، أنها سترسل دبلوماسيين إلى سفارتها في نيودلهي. لفترة طويلة، كان موقف الهند يتمثل في استحالة وجود حركة «طالبان» جيدة أو سيئة، وكانت لها أيضاً صلات بجماعات معادية للهند. وكان هذا الموقف شبيهاً بما حدث عندما تولت «طالبان» السلطة لأول مرة عام 1996، حيث قررت الهند على الفور إغلاق سفارتها وتجنب أي علاقات مع الحركة. في عام 2008، ألقت الهند باللوم على فصيل من «طالبان» في هجوم على السفارة الهندية في كابول، والذي أسفر عن مقتل 58 شخصاً، من بينهم دبلوماسي هندي.

وعندما أُطيح بحركة «طالبان» من الحكم بعد الغزو الذي قادته الولايات المتحدة عام 2001، كانت الهند من أوائل الدول التي أعادت فتح بعثتها وأقامت علاقات مع أفغانستان. أما التغير الحالي في الموقف الهندي تجاه «طالبان» - بما في ذلك بحث فرص التعاون التجاري - فيعود إلى حسابات جيوسياسية وإقليمية. فالهند تنظر إلى أفغانستان على أنها بوابة إلى آسيا الوسطى، وتسعى لتحسين الاتصال البري والتجاري بالمنطقة. وفي الوقت نفسه، فإن الأمن القومي الهندي مرتبط ليس فقط باستقرار المنطقة، بل أيضاً بالحاجة إلى حلفاء يساعدون على حماية أمنها الداخلي. وقد أكد وزير الخارجية الأفغاني للجانب الهندي أن الأراضي الأفغانية لن تُستخدم لأي أنشطة معادية للهند، وهو ضمان مهم للغاية بالنسبة لنيودلهي.

من جانبه، أشار وزير الخارجية الهندي «سوبرامانيام جايشانكار» إلى أن الهند وأفغانستان تتشاركان في «التزام مشترك بتحقيق النمو والازدهار». ومن أبرز مجالات التعاون بين البلدين تعزيز التجارة الثنائية. فقد رحّب البيان المشترك بإطلاق ممر الشحن الجوي بين الهند وأفغانستان، الذي من المتوقع أن يُسهّل التواصل ويعزز التجارة الثنائية. كما نصّ البيان على أن الجانبين «اتفقا على التعاون في مشاريع الطاقة الكهرومائية بهدف تلبية احتياجات أفغانستان من الطاقة ودعم تنميتها الزراعية». ويتطلع الجانبان أيضاً إلى العمل على ربط جوي لطائرات الشحن بين دلهي وكابول، وبين أمريتسار وكابول، وبين أمريتسار وقندهار، والذي يهدف أيضاً إلى نقل الفواكه الطازجة من أفغانستان إلى الهند.

وفي خطاب ألقاه أمام رجال الأعمال في اتحاد غرف التجارة والصناعة الهندي، دعا «متقي» المستثمرين الهنود إلى الاستثمار في قطاعات التعدين والبنية التحتية في بلاده، بما في ذلك الطرق والطيران، مشيراً إلى التحسن الكبير في الوضع الأمني في أفغانستان. كما أشار إلى أن حجم التجارة الثنائية بين البلدين بلغ مليار دولار بالفعل. من جانبها، أكدت الهند التزامها بمساعدة الشعب الأفغاني في تعزيز البنية التحتية الصحية والتعليمية. فهي تمنح سنوياً أكثر من ألف منحة جامعية للطلاب الأفغان، والآن يجري بحث تقديم مزيد من المنح الدراسية من المجلس الهندي للعلاقات الثقافية وهيئات أخرى، لتمكين المزيد من الأفغان من الدراسة في الهند. كما أعلنت الهند عن ستة مشاريع صحية جديدة، وإهداء 20 سيارة إسعاف، إلى جانب معدات طبية مثل أجهزة التصوير بالرنين المغناطيسي (MRI) والأشعة المقطعية، في خطوة رمزية لدعم القطاع الصحي الأفغاني. ووعدت أيضاً بمواصلة تزويد أفغانستان باللقاحات والأدوية المضادة للسرطان والمساعدات الإغاثية للمناطق المتضررة من الزلازل في شرق البلاد.

تُعتبر زيارة وزير خارجية «طالبان» دفعةً للعلاقات بين البلدين، وهي بالغة الأهمية لكلا البلدين. وقد حظيت حكومة «طالبان» بدعمٍ في سعيها للاعتراف بها، بينما عززت الهند مصالحها الاستراتيجية والأمنية. ومنذ توليها السلطة، سعت طالبان جاهدةً إلى تحسين علاقاتها مع الهند. وخلال العشرين عاماً الماضية، عندما لم تكن «طالبان» في السلطة، عززت الهند الروابط بين الشعبين الهندي والأفغاني، بالإضافة إلى استثمار أكثر من 3 مليارات دولار في بناء الطرق والمدارس ومبنى البرلمان. كما منحت الهند تأشيراتٍ مجانيةً للمواطنين الأفغان للسفر إلى الهند لأغراض التعليم والأعمال والعلاج الطبي. لقد كانت الاستراتيجية التنموية الهندية في أفغانستان، التي شملت بناء المدارس والمراكز الصحية ومشاريع البنية التحتية الكبرى، تهدف إلى تعزيز العلاقات الودية مع الشعب الأفغاني.

واليوم، تسعى نيودلهي لإعادة بناء جسورها - ليس فقط مع حكومة «طالبان» - بل أيضاً مع الشعب الأفغاني، الذي شعر بأن الهند كان ينبغي أن تبذل مزيداً من الجهد للحفاظ على روابطها الإنسانية والثقافية مع الشعب الأفغاني، الذي شعر بأن الهند كان ينبغي أن تبذل مزيداً من الجهد للحفاظ على روابطها الإنسانية والثقافية معه.

*رئيس مركز الدراسات الإسلامية نيودلهي