انعقد الأسبوع الماضي منتدى الاتحاد السنوي في دورته العشرين تحت عنوانٍ مستحقٍ هو «الإمارات.. صانعة السلام» وقد استضاف عدداً من السياسيين والمفكرين من حول العالم وبخاصةٍ تلك التي شهدت نزاعاتٍ وحروباً وكان لدولة الإمارات دورٌ فاعلٌ في إنهائها وصناعة السلام، من روسيا إلى إثيوبيا، مع بادرةٍ تستحق الإشادة حيث تم عقد المنتدى للمرة الأولى في جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية حيث حضر الندوات الطلاب والأساتذة برعاية مدير الجامعة وحضوره.
بعد كلمات الافتتاح المركزة والمكثفة، بدأت الجلسة الأولى بعنوان «السلام محور سياسة الإمارات التنموية» بمشاركة كلٍ من الدكتور رضوان السيد والدكتور عبدالله السيد ولد أباه والدكتور عيسى العميري، وكاتب هذه السطور بورقة عنوانها «الحضارة تولد من السلام».
كتبت أكثر من مرةٍ عن «منتدى الاتحاد» عبر عشرين عاماً، وشاركت فيه بأوراقٍ بحثيةٍ، ولكن هذه المرة كانت مشاركتي مختلفةً، فعندما جلسنا على المسرح وبدأت مداخلات الجلسة، وتحدث الأساتذة بأوراقهم المهمة، نظرت أمامي فوجدت الدكتور خليفة الظاهري مدير جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية والدكتور حمد الكعبي الرئيس التنفيذي لمركز الاتحاد للأخبار الذي ينظم المنتدى السنوي، فعادت بي الذاكرة القهقرى عقدين من الزمان حينما وطأت قدميّ هذه الدولة المباركة ساكناً ومقيماً في فبراير 2005 وإنْ كنت قد زرتها من قبل.
ومنذ عشرين عاماً، أي منذ بداية إقامتي في الإمارات، أدركت أن قيادتها الرشيدة لديها دوماً ما أسميه «الوعي المتقدم» بحيث تمتلك رؤيةً مستقبليةً واضحةً في جليل الأمور ودقيقها، ورؤية ثاقبةً لمعالجة الأوضاع والمخاطر القائمة محلياً وإقليمياً ودولياً، وكانت الرؤية الواضحة والقرارات الصارمة وقتها مستغربةً ممن لم يمتلك مثلها حينذاك سواء في الإقليم أو العالم، ولكن الجميع استرشد بها في فتراتٍ مختلفةٍ عبر عشرين عاماً.
على مسرح المنتدى وعندما حان وقت كلمتي، لم أستطع تجاوز ما دار في ذهني لحظتها، فتذكرت جيداً أن «منتدى الاتحاد» المتواصل عبر عشرين عاماً، والذي ظل يستقطب أهم الرموز السياسية والفكرية، وينتقي العناوين الصحيحة في كل عامٍ، ويؤثر بشكلٍ فاعلٍ في الحراك السياسي والثقافي والاجتماعي في العالم العربي كله، كان في 2005 مجرد فكرةٍ واعيةٍ تستحق مستقبلاً مبهراً، وتذكرت جيداً أن «جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» كانت مجرد فكرةٍ ثاقبة في المستقبل، وها هما «المنتدى» و«الجامعة» يلتقيان بعد عشرين عاماً شامختين بالغتي التأثير في المشهدين المحلي والإقليمي، كلٌ بحسبه، فلم أجد بداً من ذكر ما خطر بذهني في لحظتها، لأنه شعورٌ جميلٌ ومشجعٌ بأن تشاهد عياناً بياناً أن الرؤى المتقدمة على زمنها تستفيد من منطق التاريخ فتصنع المستقبل.
واليوم دولة الإمارات تمثل نموذجاً على اختيار السلام لصناعة الحضارة، مع أنها تقف بقوةٍ وصرامةٍ تجاه أي اعتداءات عسكريةٍ في المنطقة ضد السلام، سواء في اليمن ضمن التحالف العربي مع السعودية، أو ضد المحور الأصولي الإرهابي الذي كانت لها اليد الطولى في مواجهته ودحره على كافة المستويات، أو ضد الاعتداءات الإسرائيلية على الفلسطينيين في مواقف معلنةٍ يشهد لها الجميع.
أخيراً، ففكرة «منتدى الاتحاد» الذي انعقد في «جامعة محمد بن زايد للعلوم الإنسانية» هذا العام كانت فكرةً مميزةً ومؤثرةً، فبينما تعوّدت النخب المثقفة على أن تخاطب نفسها وتتحاور فيما بينها، إلا أن المنتدى والجامعة هذا العام اختارا أن يحضر الندوات طلاّب وأساتذة الجامعة ما منح المنتدى حضوراً وتفاعلاً وأثراً غير مسبوقين.
*كاتب سعودي


