ونحن نقترب من ختام عام المجتمع 2025، ينبغي ألا نتحدث عنه بصفته مبادرة فحسب، بل منعطفاً تأسيسياً رسّخ ملامح المجتمع الإماراتي للسنوات المقبلة، فقد أعلن صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، تخصيص هذا العام بعنوان «يداً بيد»، تعبيراً عن رؤية عميقة لتوهّج جوهر المجتمع الإماراتي وسط تحولات بشرية متسارعة، جوهر يقوم على التلاحم الأسري، والمسؤولية المشتركة، والقدرة على تحويل القيم إلى ممارسة يومية.
وقبل عام واحد فقط كانت تحديات ملموسة تطرق الأبواب، مثل تفكك بعض الروابط الأسرية، واتساع الفجوة بين الأجيال بفعل الفضاء الرقمي، وتراجع حضور بعض مفردات الثقافة الأصيلة في حياة الأبناء، فجاء عام المجتمع درعاً واقية ومحركاً للحلول، إذ تحركت القطاعات كافة -التعليم والثقافة والإعلام والقطاع الخاص والمجتمع المدني- لتحويل الأهداف النبيلة إلى برامج عمل ومبادرات إيجابية أصبحت منصات للتواصل بين الأجيال، وحملات لتعزيز التماسك المجتمعي.
ولم تُقَس النتائج بالأرقام، بل بعودة الروح، وبازدياد الإحساس بالانتماء والمسؤولية، مع تنامي حضور الفعاليات التراثية لتشكّل حاضنة جامعة، وتحول «الفزعة» الإماراتية من فعل فردي إلى منظومة مجتمعية تُدار على المستويين المحلي والدولي. ويكفي أن نستحضر مبادرات إنسانية، مثل «الفارس الشهم»، التي جمعت تكامل الجهد الرسمي والمشاركة المجتمعية، ورسخت صورة دولة الإمارات يداً تمتد حيث تدعو الحاجة. وهذا الاندماج بين المؤسسات والأفراد دليلٌ على نجاح العام في تفعيل الطاقات الكامنة في نسيجنا المجتمعي.
وأثبتت التجربة من جديد أن بناء الإنسان يسبق بناء العمران، فقد غدت المدرسة والحي والمجلس العائلي منصات متكاملةً لصياغة وعي جديد. ونُظّمت مجالس شبابية للحوار مع كبار المواطنين، وأُطلقت برامج دعم للصحة النفسية الرقمية ترشد استخدام المنصات، وأُنشئت مسارات تمكين لأصحاب الهمم تعمّق ثقافة الدمج والاحترام. كما دخلت المؤسسات على خط المسؤولية الاجتماعية بمشروعات مستدامة عزّزت ثقة المجتمع بمؤسساته، وأرست عقداً اجتماعياً حديثاً يقوم على الشراكة الفاعلة والتوزيع العادل للأدوار والمسؤوليات بين الجميع.
وما تحقق خلال عام المجتمع يمثل استثماراً استراتيجياً في رأس المال الاجتماعي للدولة. لقد تجاوز هذا العام كونه سلسلةً من الفعاليات الموسمية، ليصبح مرتكزاً لتحول اجتماعي دائم. وتمثلت أهم إنجازاته في تعميق ثقافة المسؤولية المشتركة، إذ لم تعد القضايا الاجتماعية حكراً على جهة حكومية واحدة، بل أصبحت التحديات والحلول مسؤولية الجميع.
ويؤسّس هذا التمكين الاجتماعي لاستدامة القيم، ويضمن تداولها بين الأجيال عبر الممارسة اليومية لا التلقين النظري. إن النجاح الحقيقي يكمن في تحويل قيم «يداً بيد» إلى أصول مجتمعية ثابتة تتمثل في أسرة أكثر قوة، ومدارسَ ترسخ الهوية والانتماء، ومؤسسات تستثمر في الرفاهية الاجتماعية. وهذا التحول يعني أن أي تحدٍّ مستقبلي سيُقابَل بمجتمع أكثر تماسكاً ومرونةً وقدرةً على المبادرة الذاتية، وهو ما يعزز رؤية قيادتنا الرشيدة في استدامة التنمية ومواكبة متغيرات العصر.
ومع اقتراب نهاية العام نؤكد أن عام المجتمع لم يكن صفحةً تُطوى، بل منهجَ عمل مستداماً. ويتطلب هذا المنهج توثيق الممارسات الناجحة، وإدماج قيم «يداً بيد» في المناهج والأنشطة الطلابية، وتعزيز الوعي الرقمي لمواجهة الشائعة والسطحية، وصون الموروث الإماراتي بصفته جسراً يربط الأجيال ومرجعاً للأخلاق والسنع. إن قوتنا الحقيقية تكمن في البيت المتوحد، وفي روابط اجتماعية متينة تسند اقتصاد المعرفة وتحصّن الهوية.
ويبقى الرهان اليوم على أن نحافظ على الحصاد، وأن نحوله إلى سلوك دائم، وأن نقيس النجاح بنبض القيم في البيوت والمدارس وأماكن العمل، وأن تصبح «يدا بيد» أسلوبَ حياة لا شعاراً فقط. نمضي بثقة نحو مستقبل تصون فيه دولة الإمارات أصالتها وتحتضن حداثتها، إنساناً وعُمراناً، قلباً وعقلاً.
د. شما بنت محمد بن خالد آل نهيان*
*باحثة إماراتية في الأمن الاجتماعي والثقافي، أستاذ زائر بكليات التقنية العليا للطالبات، أستاذ زائر بجامعة الإمارات العربية المتحدة.


