في الأيام التي سبقت الانتخابات على منصب عمدة مدينة نيويورك، أصدرت مجموعة من الحاخامات «دعوة للتحرك» هاجمت فيها شخصيات عامة مثل المرشح «الديمقراطي» زهران ممداني، الذي قالوا إنه «يرفض إدانة الشعارات العنيفة، وينكر شرعية إسرائيل، ويتهم الدولة اليهودية بالإبادة الجماعية». ثم تقفز رسالة الحاخامات إلى استنتاج لا أساس له من الصحة، مفاده أن دعم ممداني لحقوق الإنسان الفلسطيني وانتقاده للسلوك الإسرائيلي يهدفان إلى «نزع الشرعية عن المجتمع اليهودي، وتشجيع وتفاقم العداء تجاه اليهودية واليهود».
بالإضافة إلى هذه المغالطة المنطقية، ثمة خطرٌ كامنٌ في خلط إسرائيل بالدين اليهودي، وبالتالي، خلط انتقاد إسرائيل أو الصهيونية السياسية بمعاداة السامية. لطالما كانت هذه المسألة موضع نقاش، لا سيما داخل المجتمع اليهودي. خلال أواخر القرن الـ 19 وأوائل القرن الـ 20، وبينما كان اليهود الأوروبيون يناقشون فكرة الصهيونية، برزت تيارات فكرية متنافسة، حتى بين أولئك الذين اتفقوا على أن للشعب اليهودي صلة بأرض إسرائيل التوراتية.
رأى البعض هذه الصلة روحية، بينما رأى آخرون رابطاً ثقافياً علمانياً. وبينما سعى بعض المنتمين إلى هذين المعسكرين إلى التعايش والشراكة مع العرب الذين يسكنون الأرض، دعت الرؤية التي سادت الحركة الجديدة، بدلاً من ذلك، إلى إقامة دولة يهودية حصرية في فلسطين. وقد أُطلق على هذا التوجه اسم الصهيونية السياسية، التي ارتبطت بالمشاريع الاستعمارية البريطانية في الشرق الأوسط، ونظرت إلى عرب فلسطين بنفس النظرة الاستعلائية التي نظر بها البريطانيون إلى الشعوب الأخرى التي استعمروا أراضيها - كشعوب لا تستحق الحقوق. استغرق الأمر عقوداً قبل أن يترسّخ هذا الخلط الخطير.
وقد أحبط «الجمهوريون» و«الديمقراطيون» مراراً وتكراراً مساعي اللوبي الإسرائيلي القوي لتمرير تشريع في الكونجرس يساوي بين انتقاد إسرائيل ومعاداة السامية. وعندما انتقل المشهد إلى الولايات، حققت القوى المؤيدة لإسرائيل نجاحاً أكبر. وحتى الآن، أقرّت أكثر من ثلاثين ولاية مثل هذه القوانين المثيرة للجدل، والتي تهدد حرية التعبير.
وفي أعقاب الغضب الشعبي بعد هجوم «حماس» في 7 أكتوبر 2023، استغلت رابطة مكافحة التشهير وحلفاؤها في الحكومة والإعلام الفرصة للدفع بفكرة أن الاحتجاجات الطلابية ضد الحرب الإسرائيلية على غزة تشكّل تهديداً لهوية اليهود الأميركيين. ولم يهمهم أن تلك الاحتجاجات كانت ضد سياسات إسرائيل لا ضد اليهود كدين أو شعب، ولا أن الاستطلاعات أظهرت انقسام اليهود الأميركيين حول سياسات إسرائيل. فقد دعموا جهود «الجمهوريين» لحظر تلك الاحتجاجات، وضغطوا على الجامعات لمعاقبة الطلاب المنتقدين لإسرائيل. وتم اعتقال آلاف الطلاب، وتعليق دراسة العديد منهم أو منع تخرجهم، فيما فُصل أساتذة دعموا الطلبة، ورُحّل طلاب أجانب لمجرد انتقادهم إسرائيل.
وعلى الرغم من تزايد الهجمات على الطلاب الأميركيين العرب واليهود، وظّفت رابطة مكافحة التشهير و«الجمهوريون» في الكونجرس تعريفاً حاداً لمعاداة السامية، استخفّ بمخاوف العرب أو اعتبرها تطرّفاً يستحق التجريم. في الوقت نفسه، مُنحت المخاوف اليهودية الأولوية باعتبارها مشروعة وتستحق الدعم والتحرك الكاملين. ثم يدخل إلى المشهد زهران ممداني، وهو عضو منتخب في الهيئة التشريعية لولاية نيويورك، وقد أثار ترشُّحه لمنصب العمدة حماساً شعبياً كبيراً، إذ جذب الناخبين الشباب، وطبقات العمال، والمهاجرين الجدد، والليبراليين بفضل برنامجه لجعل نيويورك مدينة أكثر عدلاً ومعيشة ميسّرة. وبعد فوزه الساحق في الانتخابات التمهيدية للحزب «الديمقراطي»، تجمّعت النخب المالية والسياسية في المدينة لمحاولة إسقاطه في الانتخابات العامة.
وعلى الرغم من أن استطلاعات الرأي لا تزال تظهر تقدمه الواضح على منافسه الرئيسي، ضخّ المليارديرات عشرات الملايين من الدولارات في حملات دعائية تستخدم قوالب عنصرية معادية للمسلمين لتشويه صورته وصورة مجتمعه. ورغم تعدد القضايا المطروحة في هذه الانتخابات، إلا أن الخطاب الإعلامي السائد كان أن انتقاد ممداني لإسرائيل يجعل المدينة غير آمنة لليهود. وهذا الزعم يمكن دحضه بسهولة، إذ تُظهر أحدث استطلاعات الرأي بين الناخبين اليهود أن ممداني متعادل مع أقرب منافسيه، ويتقدم بنسبة اثنين إلى واحد بين اليهود الذين تتراوح أعمارهم بين 18 و45 عاماً. إنّ دعم ممداني للفلسطينيين واتفاقه مع معظم منظمات حقوق الإنسان الأميركية والدولية (بما في ذلك منظمات إسرائيلية) على أن إسرائيل ترتكب انتهاكات جسيمة في غزة لا يُعد معاداة للسامية. ولا ينبغي أن يشكّل ذلك تهديداً لليهود، فالتهديد الحقيقي يأتي من أولئك، مثل رابطة مكافحة التشهير، الذين يخلطون عمداً بين جميع اليهود وسياسات إسرائيل، أو من الحاخامات الذين يطلقون اتهامات زائفة لإثارة الكراهية ضد مرشح جريمته الوحيدة هي قول الحقيقة.
* رئيس المعهد العربي الأميركي - واشنطن


