كان أوباما ظاهرةً غيرت وجه أميركا، فأعادها لسياسات الانعزالية، وزار عدداً من الدول العربية والإسلامية وقتها، وألقى خطاباً في جامعة القاهرة، وفرح به كثيرون في العالم العربي والإسلامي، ومنح جائزة نوبل وهو لم يصنع شيئاً بعد، ثم تكشفت سياساته عن عداءٍ للدول العربية، وذلك عبر محورين، الأول، دعم جماعات الإسلام السياسي للسيطرة على الحكم في الدول العربية، فحدث ما كان يعرف بالربيع العربي الأسود والدموي، والذي ذهب ضحيته ملايين القتلى والجرحى والمشردين، والثاني، دعم الدولة القائدة لمحور المقاومة لتمارس ما شاءت من فرض الهيمنة وبسط النفوذ على عددٍ من الدول العربية. «اليسار الليبرالي» مع أوباما كان يمكّن لليسار بكل أطيافه في الجامعات والفنون وهوليوود ويدعم تيارات غريبة، وهي السياسات ذاتها التي استمر عليها بايدن حين أصبح رئيساً وزاد على أوباما بالانسحاب الذي كان أشبه بالهروب من أفغانستان وترك شعبها لمصيره مع من ظلت أميركا تحاربهم لعقدين من الزمان.

في انتخابات الرئاسة التي انتصر فيها بايدن، جاء بيرني ساندرز ثانياً في الترتيب في انتخابات الحزب «الديموقراطي» وفاز بتسعة ملايين من الأصوات الديموقراطية وهو كان شيوعياً قديماً، واشتراكيٌ معروفٌ في الكونجرس وخارجه، وعمدة نيويورك الجديد «زهران ممداني» هو امتدادٌ لساندرز الذي هو أكثر يساريةً واشتراكيةً من أوباما وبايدن مجتمعين.

التاريخ يتطوّر والبشر يتغيرون، والتغييرات داخل أميركا بالغة الأهمية، كتياراتٍ شعبيةٍ وأفكارٍ جديدةٍ وتقلبٍ مستمرٍ في المصالح والتوجهات، وهذه طبيعة البشر وطبيعة التاريخ، والكثيرون اليوم وهم يحتفلون بانتصار ممداني كعمدةٍ لنيويورك المدينة الكبرى وبالغة الأهمية في أميركا، ينسون كثيراً من أحداث التاريخ وتوجهاته. «المكارثية» في أميركا كانت مصطلحاً يشرح نوعاً من «الغوغائية» والاتهامات المخيفة التي تطلق جزافاً، وقد سميت بذلك نسبةً للسيناتور جوزيف مكارثي الذي أطلق حملةً سياسيةً وأمنيةً واسعةً ضد الشيوعيين واليسار في أميركا مطلع الخمسينيات، ولم يجادله أحدٌ حينذاك في وجودهم، ولكن البعض استنكر أن يكونوا قد تغلغلوا فعلياً في الإدارات الرئاسية والجيش، أو أنهم كانوا عملاء للاتحاد السوفييتي.

«بيرني ساندرز» السيناتور الأميركي وقدوة زهران ممداني هو امتدادٌ لذلك التيار اليساري الاشتراكي الأميركي، وقد زار موسكو قديماً وهواه اشتراكيٌ واضحٌ، وطالما فشلت محاولاته في إنكار ماضيه، أو إعادة إنتاج نفسه، وقد أثبتت الوثائق التي نشرتها «نيويورك تايمز» 2011 علاقاته بالاتحاد السوفييتي، وعند النظر للتطور السياسي والتاريخي داخل أميركا، فإن ممداني هو امتدادٌ طبيعيٌ لـ «ساندرز» الذي لم يكن يوماً مواطناً عادياً ولا سيناتوراً هامشياً، فهو حلّ ثانياً في انتخابات الحزب «الديمقراطي» للرئاسة الأميركية مرتين: خلف هيلاري كلينتون في 2016 وخلف بايدن في 2020، ما يعني بوضوح تصاعد حضور هذا التيار في أميركا، وهو ما عبّر عنه بشكل صارخٍ فوز «ممداني» عمدةً لنيويورك. مأساة غزة لن تحلها شعارات ممداني بل ستحلها الدول العربية الداعمة لغزة وللقضية الفلسطينية منذ عقودٍ من الزمن. أخيراً، فلا شيء فيما طرح قبل وبعد فوز ممداني يبشر بأن سياساته وتوجهاته ستكون منحازةً للدول العربية ومصالحها، وقضية غزة وقف معها أهلها من الفلسطينيين والعرب ولم ينتظر أحد شيئاً من ممداني أو غيره.

*كاتب سعودي