-في عام 1996، ألقى «آلان جرينسبان»، رئيس مجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي آنذاك، خطاباً تنبئياً أمام معهد «أميركان إنتربرايز»، حذّر فيه من «الوفرة المفرطة» في إشارة إلى الارتفاع المستمر في قيمة سوق الأسهم، الذي غذّته الحماسة تجاه شركات الدوت كوم الناشئة بفعل الانتشار الواسع للإنترنت. لم يأتِ انهيار فقاعة الدوت كوم إلا في عام 2001، لكن المؤشرات كانت واضحة منذ ذلك الحين.
واليوم يحذّر عددٌ متزايدٌ مِن الخبراء الاقتصاديين مِن أن الارتفاع الحالي في قيمة شركات الذكاء الاصطناعي والطفرة في الاستثمارات سيؤديان حتماً إلى تصحيح في السوق قد يتسبب في ركود عالمي. وقد ازدادت حالة التشاؤم بين مَن يراقبون هذه الاتجاهات، ما يُسهم في قلق العديد من الأميركيين بشأن الاقتصاد.
وبينما يَقلق الخبراءُ بشأن المبالغة في تقدير استثمارات الذكاء الاصطناعي ومرافق معالجة البيانات الضخمة التي تُبنى حول العالم، فإن المواطنين العاديين لديهم مخاوف أكثر إلحاحاً تتعلق بتكلفة المعيشة و«قدرة تحمل» الاحتياجات الأساسية للأسر.
خلال سنوات الازدهار في خمسينيات وستينيات القرن الماضي، كانت الوظائفُ الجيدةُ متاحة، وكانت معظم الشركات تقدّم مزايا مثل رواتب تنافسية، وخطط رعاية صحية، وإجازات مدفوعة الأجر، ومعاشات تقاعدية مضمونة. وكانت الأسر قادرةً على الازدهار من خلال دخل واحد، وعلى تحمّل نفقات الرهن العقاري لبيوت أفضل في الضواحي الآمنة ذات المدارس العامة الجيدة. أما اليوم، فرغم استمرار وجود وظائف ذات رواتب جيدة في القطاع الخاص، مع خطط رعاية صحية، فإن قلةً مِن الشركات ما زالت تقدّم معاشات تقاعدية مضمونة. وبدلاً من ذلك، تساهم في حسابات تقاعد شخصية تُسمى 401-Ks، يكون العامل - وليس الشركة - مسؤولاً عن إدارتها. ومن مزاياها إمكانية تحويل الحساب في حال تغيير الوظيفة، بينما لا ينطبق ذلك على المعاش التقاعدي المضمون، لكن إذا عانى السوق أزمة اقتصادية حادة، فسوف تنخفض مداخيل التقاعد بشكل كبير.
ويرتبط عدم اليقين بشأن مستقبل الفرد المالي بالتغير الاقتصادي الآخر، ألا وهو اتساع فجوة الثروة بين فاحشي الثراء والأسرة الأميركية المتوسطة. وقد تزايدت هذه الفجوة منذ ثمانينيات القرن الماضي، واليوم يمتلك 1% من السكان ثلث ثروة البلاد.
القلق المالي هو العامل الرئيس في السياسة الأميركية. فقد فاز دونالد ترامب بولاية ثانية عام 2024 من خلال التركيز على التضخم والهجرة غير الشرعية والجريمة. وحصل على تقييمات جيدة في ما يتعلق بضبط الحدود الجنوبية، لكن إدارته للاقتصاد، خاصة سياسات الرسوم الجمركية، ساهمت في استمرار التضخم. كما أنه لم يفعل شيئاً لتحسين أزمة السكن، ولا يمتلك خطة واضحة لإصلاح نظام الرعاية الصحية الذي يعدّ الأغلى في العالم.
يصوت بعض الأميركيين في الانتخابات على بنود «قضية واحدة»، مثل الإجهاض والجريمة أو الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط. لكن غالبية الناخبين يصوتون على تكاليف المعيشة، بما في ذلك السكن والمرافق، والنقل، ورعاية الأطفال والرعاية الصحية، والغذاء والضرائب. وقد أظهرت الانتخابات الأخيرة في فيرجينيا ونيوجيرسي ومدينة نيويورك، والتي شهدت انتصاراً كبيراً لـ«الديمقراطيين»، أن الاستياء من طريقة إدارة ترامب للاقتصاد هو السبب الرئيس لانخفاض شعبيته في استطلاعات الرأي إلى مستويات غير مسبوقة.
يشعر الناخبون الشباب بالقلق على نحو خاص خاص إزاء الوضع الاقتصادي وآمالهم في مستقبل مالي آمن. فهم يشككون في قدرتهم على تحمل تكاليف السكن، ولا يزال الكثير منهم يعيشون مع والديهم. وهم يؤخّرون الزواج، ويخشون أن شبكات الأمان، مثل الضمان الاجتماعي والرعاية الطبية، قد تصبح غيرَ قادرة على الاستمرار. ولا يعتقدون أنهم سيكونون أكثر ازدهاراً من آبائهم. وهذا يؤدي إلى الاكتئاب وفي بعض الحالات إلى الانتحار. الشبان الذكور هم الأكثر عرضة لهذا القلق، وهي مسألة تحتاج إلى فهم أعمق من المجتمع قبل أن نصل إلى «جيل ضائع».
*مدير البرامج الاستراتيجية بمركز «ناشونال انترست» - واشنطن


