منذ فجر التاريخ العربي، لم تكن القبيلة مجرد رابطة دم، بل كانت نظاماً رمزياً وثقافياً يحدد معالم الاجتماع والسياسة. فهي الحاضنة الأولى للقيم والتقاليد، والمرجع الذي حفظ اللغة والشعر والذاكرة الجماعية في فضاء الصحراء الواسعة. غير أنّ هذا الكيان لم يبقَ ثابتاً، بل ظلّ يتغير مع تحولات الزمن: من العصبية التي تحدّث عنها ابن خلدون بوصفها قوة النهوض والسقوط، إلى بنيةٍ اجتماعية أوسع تندمج أحياناً في الدولة وتتصادم معها أحياناً أخرى. القبيلة في الوعي العربي كانت دائماً طاقةً مزدوجة: تعزّز التماسك والتضامن من جهة، وقد تجرّ إلى الانقسام والصراع من جهة أخرى.
وقد حاول محمد عابد الجابري أن يضع القبيلةَ داخل منظوره النقدي للعقل السياسي العربي. رأى أن السياسة العربية لا تزال أسيرة ثلاثية القبيلة والغنيمة والعقيدة، وأن تجاوزها شرط أساسي للعبور نحو دولة حديثة تؤسّس سلطتها على القانون والمؤسسات لا على الولاءات العصبية. والجابري هنا ينبه إلى خطر انتقال منطق القبيلة من دائرة التضامن الاجتماعي إلى مجال الحكم، حيث تتحوّل إلى شبكة محاباة وتقاسم مغانم تعيق بروز الدولة المدنية. كان تصوره أقرب إلى التحذير من بقاء القبيلة في موقعها القديم داخل المجال السياسي، وهو تحذير يجد صداه في كثير من التجارب العربية المعاصرة التي تعطّلت فيها الدولة الحديثة تحت وطأة العصبيات المتنافسة.لكن في مقابل هذا الطرح التحذيري، قدّم الفيلسوف الفرنسي ميشيل مافيزولي قراءةً أخرى في كتابه «عصر القبائل: الفرد يتراجع والحشد يتقدم»، حيث اعتبر أن الحداثة التي مجّدت الفردَ الحرَّ قد تراجعت، وأننا في زمن ما بعد الحداثة نشهد عودةَ الروح الجماعية في شكل «قبائل جديدة»، وهي قبائل لا تقوم على الدم ولا على النسب، بل على الروابط الوجدانية والرمزية: جماهير كرة القدم، الطقوس الشعبية، الهويات المحلية، وحتى القبائل الرقمية على منصات التواصل الاجتماعي. إنها جماعات وجدانية تمنح الفرد شعوراً بالانتماء والمعنى في عالم فقدت فيه الأيديولوجيات الكبرى بريقَها. وبهذا يختلف مافيزولي عن الجابري: الأول يرى في القبيلة خطراً سياسياً، والثاني يجد فيها ضرورةً أنثروبولوجية تعكس حاجةَ الإنسان الدائمة للجماعة.
هذا التباين يفتح مجالا لصياغة تركيب ثالث: فالقبيلة ليست عائقا مطلقاً، كما قد يُفهم من نقد الجابري، وليست خلاصاً سحرياً، كما قد يُستنتج من احتفاء مافيزولي، بل حقيقة اجتماعية متحولة. يمكن أن تكون عائقاً إذا تحولت إلى عصبية مغلقة تقسّم المجتمع وتحتكر الحقيقة، ويمكن أن تصبح رافعةً إذا جرى تأطيرها في إطار دولة حديثة تعترف بالانتماءات وتحوّلها إلى رأسمال اجتماعي. وبهذا المعنى، فالقبيلة لا تُلغى ولا تُقدَّس، بل تُدار وتُحوَّل إلى عنصر بناء.
التاريخ العربي يقدم نماذج متباينة في هذا الباب، لكن التجارب الحديثة تثبت أن استيعاب البنية القبلية في المشروع الوطني قد يفضي إلى نتائج إيجابية إذا صيغت العلاقة بين الدولة والمجموعة على أساس المشاركة والمسؤولية المشتركة. وهنا يبرز النموذج الإماراتي الذي يقدم صياغةً متقدمة في التعامل مع القبيلة.
في دولة الإمارات لم تُقصَ القبيلة ولم تُترك لتتصادم مع منطق الدولة، بل جرى استيعابها في إطار مشروع الاتحاد. لقد كانت القبيلة حافزاً على الوحدة حين التقت إرادة القادة المؤسسين على بناء دولة اتحادية تجمع كل الكيانات القبلية في كيان سياسي واحد. بقيت القبيلةُ جزءاً من النسيج الاجتماعي والثقافي، لكنها تحولت من عصبية مغلقة إلى طاقة انتماء مفتوح يعزز الولاء للوطن ويكرس التضامن بين مكوناته. وبدل أن تكون القبيلة حاجزاً للتقدم، صارت سنداً لمشروع الدولة الحديثة، ومنحت الاتحادَ قاعدةً اجتماعيةً صلبة سمحت له بالاستقرار والنمو.
وبهذا المعنى، فالقبيلة في التدبير الإماراتي تمثل جسراً بين ذاكرة الصحراء وأفق الاتحاد. إنها حافز على الوحدة ودعامة للتماسك، بما يؤكد أن الروابط التقليدية إذا أُحسن إدماجها في مشروع وطني جامع يمكن أن تتحول إلى قوة دفع نحو المستقبل. وهكذا يقدّم النموذج الإماراتي درساً بليغاً: القبيلة ليست نقيض الدولة، بل يمكن أن تكون ركيزة من ركائزها إذا أُديرت بحكمة وبصيرة، لتصبح طاقة رمزية تمد الجسور بين الأصالة والتجديد.
*أمين عام المجلس العالمي للمجتمعات المسلمة


